من ستنتخب يوم 7 مايو؟ ولماذا؟
ليس هذا سؤالاً تقليدياً يُطرح في موسم انتخابي عابر، ولا هو ترفٌ فكري يُناقَش في صالونات السياسة. في السابع من مايو، نحن أمام لحظة مختلفة؛ لحظة لا تشبه ما سبقها، وقد لا تشبه ما سيأتي بعدها. انتخاباتٌ تحمل من الخصوصية ما يجعل التعامل معها بمنطق “العادة” أقرب إلى الخطأ الاستراتيجي.
المتغير الأبرز هذه المرة ليس تفصيلاً هامشياً، بل عاملٌ ثقيل يفرض نفسه على المشهد: التقدم اللافت لتيارات اليمين المتطرف في استطلاعات الرأي. هذا التقدم، إن تُرجم إلى نتائج، لا يمكن التعامل معه كرقم انتخابي عابر، بل كمؤشر على مزاج سياسي آخذ في التحول، وخطاب يتقدم بثقة، وسياسات تُطرَح بلا مواربة، وتستهدف -بما لا يخفى- الأقليات، والحريات، ومجمل المناخ العام الذي عاشت في ظله بريطانيا لعقود.
وحين نقرأ ما يُعلَن من سياسات، فإن القلق لا ينبع فقط مما كُتب، بل مما يمكن أن يُخفى. فإذا كان المعلن يحمل هذا القدر من التضييق، فكيف بغير المعلن؟ وإذا كانت الصلاحيات المحدودة للمجالس المحلية قد تكبح بعض الاندفاع، فإن الخطر الحقيقي يكمن في ما هو أبعد من ذلك: في “الشهية السياسية” التي قد يفتحها أي تقدم انتخابي، وفي الطريق الذي قد يُعبَّد نحو البرلمان لاحقاً.
في الديمقراطيات العريقة، لا تُقرأ انتخابات المجالس المحلية بمعزل عن المشهد الوطني. هي ليست مجرد خدمات بلدية، بل “بوصلة مبكرة” لما قد يأتي. وقد تفصل سنوات بين هذه الانتخابات والانتخابات التشريعية، لكن المؤشرات تُلتقط هنا، والرسائل تُفهم من الآن.
من هنا، يصبح السؤال الأول -بل الأساس- ليس: من تختار؟ بل: هل ستذهب أصلاً إلى صندوق الاقتراع؟
ثقافة العزوف التي تسللت إلى بعضنا لم تعد رفاهية يمكن احتمالها. هناك من خسر سابقاً بفارق ثمانين صوتاً فقط. وهناك من خسر بخمسة عشر صوتاً. بل إن مقعداً حُسم بفارق صوتٍ واحد. صوت واحد! هذه ليست مبالغات بل حقائق يجب أن تُستحضَر ونحن نفكر في قيمة الصوت الفردي. في مثل هذه المعارك، لا يوجد صوت “غير مؤثر”.
ثم يأتي السؤال التالي: كيف نختار؟

هنا، لا توجد وصفة جاهزة، ولا إجابة موحدة تصلح لكل مدينة أو دائرة. السياقات تختلف، الأرقام تختلف، والمرشحون يختلفون. وحتى الحملات المنظمة -رغم أهميتها- لا تستطيع أن تغطي كل الجغرافيا الانتخابية بتوصيات حاسمة. سواء كانت “حملة الصوت العربي” أو “حملة الصوت المسلم” أو غيرها من المبادرات، فهي تقدم جهداً مشكوراً، لكنه بطبيعته يواجه حدود الواقع وتعقيداته.
لذلك، يصبح الوعي المحلي عاملاً حاسماً. التشاور مع المؤثرين في كل منطقة، قراءة استطلاعات الرأي، فهم موازين القوى، وتقدير فرص الفوز الحقيقية لكل مرشح. كل ذلك ليس ترفاً، بل ضرورة.
قد يكون لديك مرشح تحبه، وتحترمه، وترغب بدعمه. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بصدق: هل لديه فرصة حقيقية للفوز؟ أم أن دعمه -رغم صدق النية- قد يؤدي إلى تشتيت الأصوات، ويفتح الطريق أمام مرشح اليمين المتطرف للفوز؟
في بعض المناطق، قد يكون القرار واضحاً: دعم مرشح بعينه يمتلك فرصة حقيقية، ولا سيما إذا كانت نسبة الأقليات مرتفعة، وهناك إمكانية واقعية لتحقيق اختراق. هنا، لا مجال للتردد.
لكن في مناطق أخرى، قد يكون الخيار الأكثر حكمة هو التصويت التكتيكي، ليس حباً بمرشح، بل منعاً لوصول مرشح آخر. السياسة، في مثل هذه اللحظات، ليست دائماً فن اختيار الأفضل، بل أحياناً فن تجنب الأسوأ.
وهنا أصل إلى النقطة التي أراها “الثابت الوحيد” وسط كل هذه المتغيرات:
أولوية هذه الانتخابات يجب أن تكون منع اليمين المتطرف من تحقيق تقدم مريح في المجالس المحلية.
قد نختلف في تقييم الأحزاب، وقد نتباين في ترتيب الأولويات في ظروف أخرى، لكن في السابع من مايو، يبدو أن هذا الهدف يتقدم على غيره. ليس لأنه الخيار الأمثل، بل لأنه الخيار الضروري.
وفي ظل هذا التعقيد، تبرز أهمية متابعة ما سيصدر خلال الأيام القادمة عن المبادرات المجتمعية، وعلى رأسها “حملة الصوت العربي” و“حملة الصوت المسلم”. هذه الجهود، رغم محدوديتها النسبية، قد توفر قراءة أدق لبعض الدوائر، وتساعد الناخبين على اتخاذ قرارات أقرب إلى الواقع.
في النهاية، لا أحد يستطيع أن يقدم لك إجابة جاهزة لسؤال: “من ستنتخب؟”. لكن يمكن صياغة سؤال أدق، وربما أكثر صدقاً:
كيف تصوّت بطريقة تُحدث فرقاً؟

الجواب يبدأ بخطوة بسيطة:
أن تذهب.
أن لا تفرّط بصوتك.
أن تدرك أن هذا الصوت -مهما بدا صغيراً- قد يكون هو الفارق.
في السابع من مايو، قد لا تغيّر العالم بصوتك.
لكن المؤكد أنك لن تغيّر شيئاً من دونه.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇