كير ستارمر في مهب الريح.. هل تطيح فضيحة “ماندلسون” برئيس وزراء بريطانيا؟
دخل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أخطر أزمة سياسية منذ وصوله إلى مقر رئاسة الحكومة بداونينغ ستريت، بعد تفجر ما بات يُعرف إعلامياً بفضيحة “ماندلسون”، وهي قضية تمزج بين الفشل الأمني، والتضارب الحكومي، واحتمال تضليل البرلمان.
فالقضية لم تعد تتعلق بتعيين شخصية مثيرة للجدل في منصب حساس فحسب، بل تحولت إلى سؤال أوسع: هل كان رئيس الوزراء يجهل ما أُثير بشأنها، أم كان طرفاً في تواطؤ أفضى إلى تعيين شخصية تحيط بها شبهات أمنية؟
ما أصل القضية؟

تتمحور الأزمة حول تعيين بيتر ماندلسون سفيراً للمملكة المتحدة لدى الولايات المتحدة في يناير 2025، رغم تقارير أفادت بأنه فشل في إجراءات التدقيق الأمني المرتبطة بالمنصب، بسبب معلومات تتعلق بعلاقة صداقة جمعته بالراحل جيفري إبستين، المدان في جرائم استغلال أطفال، إلى جانب صلات قيل إنها تربطه بمؤسسات وشبكات في الصين وروسيا.
وبحسب المعلومات المتداولة، جرى تجاوز التوصية الأمنية ومنحه المنصب، فيما يقول ستارمر إنه لم يكن على علم بذلك إلا مؤخراً. وكان ماندلسون قد أُقيل فعلياً من المنصب في سبتمبر 2025 بعد ظهور تفاصيل إضافية عن علاقته بإبستين.
هذا التفصيل وحده كافٍ لصناعة عاصفة:
• إذا كان يعلم، فالمشكلة سياسية وأخلاقية
• إذا لم يكن يعلم، فالمشكلة مؤسسية وقيادية
إقالة مسؤول كبير تزيد النار اشتعالاً

زاد الوضع تعقيداً بعد إقالة السير أولي روبنز، أحد كبار مسؤولي وزارة الخارجية، ليلة الخميس عقب فقدان الثقة به تماماً على خلفية القضية من قبل ستارمر ووزيرة الخارجية يفيت كوبر.
وحسب المعلومات، لم تعلم يفيت كوبر بفشل ماندلسون في التدقيق الأمني إلا يوم الخميس بعد اتصال الصحفيين بها. كما دُعي روبنز للمثول أمام لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان خلال الأسبوع المقبل.
حين تبدأ الحكومات بإقالة كبار الموظفين أثناء الأزمة، فذلك يعني عادة أن المسألة لم تعد قابلة للاحتواء بهدوء.
ستارمر: “غاضب جداً”

قال رئيس الوزراء إنه كان “غاضباً للغاية” وإنه من غير المقبول ألا يتم إبلاغه بفشل التدقيق الأمني. وكشفت المعلومات أن اثنين على الأقل من كبار المسؤولين المدنيين في مكتب مجلس الوزراء كانا على علم بالفشل منذ أسابيع، لكنهما لم يبلغاه بانتظار نصيحة قانونية حول ما يمكن الكشف عنه.
وتقول الحكومة إن ستارمر أُبلغ للمرة الأولى خلال اجتماع مساء الثلاثاء حضرته أمينة مجلس الوزراء أنتونيا روميو والسكرتيرة الدائمة كاثرين ليتل، اللتان كانتا من بين المسؤولين المطلعين على الملف. كما ذكرت وثيقة صادرة عن داونينغ ستريت أن رئيس الوزراء لم يكن على علم بوجود توصية ضد منح ماندلسون التصريح الأمني، فيما تشكك المعارضة في هذه الرواية.
وقال ديفيد لامي، الذي كان وزيراً للخارجية وقت تعيين ماندلسون، إن عدم إبلاغ ستارمر بالأمر “يصعب تفسيره”، مضيفاً أنه صُدم عندما اطّلع على ما جرى.
لكن خصومه يرون أن الغضب لا يجيب عن السؤال المركزي:
• كيف مرّ هذا القرار دون علم رئيس الحكومة؟
• ومن كان يدير القرار فعلياً؟
• ولماذا تأخر كشف المعلومات؟
المعارضة تشم رائحة الفشل

استغلت المعارضة الأزمة بقوة:
• المحافظون يتهمونه بتضليل البرلمان، وقد اتهمته زعيمة حزب المحافظين، كيمي بادنوك، صراحة بـ”الكذب لإنقاذ منصبه”
• الحزب الوطني الاسكتلندي يدعوه للاستقالة، وقال ستيفن فلين إن ستارمر “إما كاذب أو ساذج أو غير كفء”
• أصوات داخلية في حزب العمال تطالب بتوضيح كامل
والأخطر أن القضية سهلة الفهم شعبياً: “شخص لم يجتز الفحص الأمني عُيّن في منصب حساس.”
في السياسة، القضايا المعقدة قد تنجو. القضايا البسيطة القابلة للتكرار إعلامياً أخطر بكثير.
هل تسقطه فعلاً؟
على المدى القريب: ليس بالضرورة
لا توجد حتى الآن مؤشرات حاسمة على تمرد داخلي واسع داخل حزب العمال، ولا أزمة أرقام برلمانية فورية تهدد بقاءه. لكن الضرر الحقيقي هنا مختلف:
• ضرب صورة الكفاءة والانضباط
• إضعاف الثقة بقيادة ستارمر
• تحويله من “رجل الإدارة الجادة” إلى رئيس وزراء محاصر بالتبريرات
وهذا أخطر من فضيحة يوم واحد.
كما أكد مقر رئاسة الحكومة بداونينغ ستريت أن ستارمر لا يعتزم الاستقالة ولا يدرس التنحي في الوقت الراهن.
جلسة البرلمان المقبلة مفصلية
حين يمثل ستارمر أمام البرلمان لتقديم “الحقائق كاملة”، بعدما تعهد بعرض جميع الوقائع ذات الصلة بشفافية، لن يُحاكم فقط على ما حدث، بل على قدرته على الإقناع. إذا بدا واثقاً ومتماسكاً، قد ينجو. وإذا بدا مرتبكاً أو متناقضاً، فقد تبدأ مرحلة التآكل البطيء.
وفي موازاة ذلك، طلبت يفيت كوبر مراجعة كاملة لكل المعلومات التي قدمتها وزارة الخارجية إلى لجنة الشؤون الخارجية، مؤكدة أن دقة المعلومات مسألة بالغة الأهمية.
الخطر الحقيقي: رواية عدم الكفاءة
كثير من رؤساء الحكومات لا يسقطون بسبب الفساد، بل بسبب ترسخ صورة أنهم:
• لا يسيطرون
• لا يعرفون
• لا يديرون
وهذه هي المعركة التي يواجهها ستارمر الآن.
بين الريح والعاصفة

حتى اللحظة، ستارمر في مهب الريح… لا تحت الأنقاض. لكن إن استمرت التسريبات، واتسعت الشكوك، قد تتحول الريح إلى عاصفة لا ترحم.
المصدر: سكاي نيوز
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇