نحو 1500 بين شهيد وجريح في ليلة واحدة في بيروت… كيف تحدث عنهم الإعلام البريطاني؟
استيقظت العاصمة اللبنانية بيروت على هول فاجعة لم تشهدها منذ 44 عاماً، بعد ليلة وصفها مراقبون بـ “الأربعاء الأسود”، شنّ فيها الاحتلال الإسرائيلي عدواناً هو الأعنف والأكثر دموية، مخلفاً نحو 1500 ضحية بين شهيد وجريح في غضون ساعات. هذا العدوان الهمجي وضع الإعلام البريطاني أمام اختبار أخلاقي ومهني، تراوحت استجابته بين نقل المأساة الإنسانية بحذر، وبين تبني رواية الجلاد، وسط تساؤلات حارقة عن غياب الإدانة الصريحة لهذه المجازر المروعة.
تجاهل دولي وتواطؤ أمريكي “مستفز”

بينما كانت أشلاء المدنيين تُنتشل من تحت الأنقاض في ضاحية بيروت والجنوب، جاءت التصريحات الأمريكية لتصب الزيت على النار؛ حيث اكتفى المسؤولون في واشنطن بالحديث عن “سوء فهم إيراني” للاتفاقيات، زاعمين أن التفاهمات مع طهران لا تشمل لبنان. هذا الموقف لم يكتفِ بالصمت عن إدانة العدوان، بل مثّل ضوءاً أخضر للاحتلال للاستمرار في حرب الإبادة، وهو ما انعكس بوضوح في غياب “لغة المحاسبة” داخل أروقة الصحافة البريطانية التي لم تجرؤ على وصف ما حدث بجريمة حرب مكتملة الأركان.
“الغارديان”: توثيق للجحيم دون تسمية المجرم

رغم تركيز “الغارديان” على الكارثة الإنسانية ووصفها لبيروت بـ “الجحيم المستمر”، إلا أن تغطيتها ظلت حبيسة “توصيف الوجع” دون الصراخ في وجه “المعتدي”. وإذ أبرزت الصحيفة استراتيجية “الأرض المحروقة” التي ينتهجها الاحتلال وانهيار المنظومة الصحية، إلا أنها أحجمت عن مطالبة لندن بموقف حازم يوقف آلة القتل الصهيونية، مكتفية بانتقاد غياب الضمانات الدولية.
“التايمز”: تبرير المجزرة بغلاف استخباراتي

في نهج يثير الريبة، انشغلت صحيفة “التايمز” بتحليل “براعة” الضربة عسكرياً، متحدثة عن قنابل خارقة للحصون في مناطق مكتظة. وبالرغم من اعترافها بأن بيروت أصبحت “ساحة اختبار لأسلحة دمار شامل”، إلا أن تغطيتها انحازت بشكل فاضح للرواية الإسرائيلية عبر تبرير ذبح المدنيين بـ “أهداف استخباراتية”، وهو ما يعد سقطة مهنية تشرعن قتل الأبرياء بدم بارد.
“بي بي سي”: الحياد المريب أمام شلال الدم

كعادتها، احتمت “بي بي سي” بمظلة “التوازن الحذر”، وهي صياغات يراها الشارع العربي والمقاوم تواطؤاً ضمنياً. فرغم نقلها لمشاهد الفوضى والصدمة من المستشفيات، إلا أن لغتها الصحفية خلت من أي إدانة مباشرة للاحتلال، وغيّبت حقيقة أن ما يحدث هو امتداد للمحرقة المستمرة في فلسطين، مساهمة بذلك في تمييع المسؤولية الجنائية للمحتل.
“الإندبندنت”: صرخة خجولة في وادي الصمت

كانت “الإندبندنت” الأكثر اقتراباً من ملامسة الحقيقة بتساؤلها عن “الخطوط الحمراء”. ووصفت ليلة الـ 1500 ضحية بأنها “وصمة عار”، مشيرة إلى أن الصمت البريطاني والأمريكي هو المحرك الفعلي لهذه المجازر. ومع ذلك، يظل السؤال قائماً: لماذا يغيب مصطلح “العدوان الصهيوني” عن عناوينها الرئيسية؟
إعلام اليمين: “ديلي ميل” و”التلغراف” كأبواق للاحتلال

في الجانب المظلم من التغطية، مارست صحف مثل “ديلي ميل” و”التلغراف” دور “الناطق العسكري” باسم جيش الاحتلال. فعملت على “عقلنة” المجزرة وتسويقها كـ “تفكيك للإرهاب”، في محاولة خبيثة لغسل سمعة الاحتلال وتقليل وقع الصدمة على القارئ الغربي، متجاهلة تماماً دماء الأطفال والنساء التي سُفكت في أبشع قصف منذ عقود.
خاتمة: ازدواجية المعايير القاتلة

إن غياب الإدانة الواضحة في الإعلام البريطاني لما حدث في بيروت، بالتوازي مع التبريرات الأمريكية الواهية، يؤكد أن المجتمع الدولي وشبكاته الإعلامية ما زالوا يكيلون بمكيالين. إن ما حدث في “الأربعاء الأسود” ليس مجرد “تصعيد عسكري”، بل هو مجزرة مروعة وحرب إبادة تستوجب وقفة تضامنية حقيقية مع لبنان وفلسطين، وصرخة مدوية تكسر جدار الصمت الذي يمنح القاتل فرصة الإفلات من العقاب.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
