بن جمال يكشف خفايا محاكمته: ضغوط “اللوبي الصهيوني” ومحاولات تجريم التضامن مع غزة
في سلسلة تغريدات عبر حسابه على منصة (إكس)، كشف بن جمال، مدير «حملة التضامن مع فلسطين» (PSC) في بريطانيا، عن خفايا محاكمته وكريس ناينم؛ بسبب تضامنهما مع غزة:
كانت الأيام الأخيرة ثقيلة، بعد صدور الأحكام بحق كريس ناينهام وبحقي. لكن وسط هذا كله، كان هناك شيء لا يمكن تجاهله: سيل التضامن، والغضب، والرسائل التي أكدت أن كثيرين يرون في ما جرى ظلمًا واضحًا، لا مجرد خلاف قانوني عابر.
نحن نستأنف الحكم. وما دمنا لا نزال نتمسك بفكرة أن في هذا النظام مسارات يمكن أن تفضي إلى العدالة، فإننا نعتقد أن الاستئناف يمكن أن ينجح، ليس بدافع التفاؤل الفارغ، بل لأن الأدلة نفسها شديدة الوضوح. فالمشكلة لم تكن في النتيجة وحدها، بل في الطريقة التي أُديرت بها القضية منذ البداية.
لقد سُمح للادعاء أن يستهلك أربعة أيام من أصل ستة مخصصة للمحاكمة، ثم رُفض منح الدفاع وقتًا إضافيًا. هنا لا تعود المسألة تقنية أو إجرائية فقط، بل تمس جوهر العدالة نفسها. فالعدالة ليست أن تصدر الأحكام فحسب، بل أن يظهر للجميع أنها أُنجزت على نحو عادل.
ما تكشفه التفاصيل الصغيرة

قد تبدو بعض الأمور هامشية، لكنها في الحقيقة تقول الكثير. من بين أكثر ما لفت الانتباه أن القاضي، كلما خاطبني وخاطب كريس، كان يرفض النظر إلينا مباشرة، حتى وهو ينطق بالحكم. قد يراها البعض تفصيلة صغيرة، لكن التفاصيل الصغيرة كثيرًا ما تفضح ما تحاول المؤسسات إخفاءه وراء اللغة الرسمية والوجوه الجامدة.
المحاكم لا تتكلم فقط عبر الأحكام، بل عبر السلوك أيضًا. أحيانًا، ما لا يُقال يكون أعلى صوتًا مما يُقال.
أصل القضية: أوامر غير مشروعة لتقييد احتجاج مشروع

جوهر القضية ظل واضحًا منذ البداية. الأوامر التي فُرضت لمنع الاحتجاج أمام هيئة الإذاعة البريطانية في 18 يناير لم تكن، في تقديرنا، مشروعة، ونرى أنها كانت غير قانونية أصلًا.
الذريعة المركزية التي استندت إليها الشرطة كانت أن المسيرة قد تتسبب في “تعطيل خطير” لمعبد يهودي لا يقع أصلًا على خط المسيرة، بل إلى شمال مبنى الـBBC. لكن أين الدليل؟ أين الواقعة الواحدة التي تثبت أن أيًّا من المسيرات السابقة تسبب في تهديد أو أذى لمصلٍّ واحد؟ لا شيء.
وحين يغيب الدليل، يبدأ الخيال الإداري في العمل. وهنا ظهرت حجة “التعطيل التراكمي”. قالت الشرطة إن الأمر لا يتعلق فقط بهذه المسيرة بعينها، بل بمجمل المسيرات التي شهدتها لندن. وهذه حجة خطيرة، لأنها تعني ببساطة أن أي شخص يمكن أن يدّعي أنه تضرر من احتجاج يبعد عنه أميالًا، وبذلك يتحول هذا الادعاء إلى مبرر لمنع أي احتجاج في أي مكان. بهذه الطريقة لا تُنظم حرية التظاهر، بل تُفرغ من معناها.
رواية متغيرة.. وشرطة لا تريد أن تسأل
ما يزيد الصورة عبثًا أن الشرطة أُبلغت مرارًا من المعبد نفسه بأن القلق يتعلق بالشعائر التي تنتهي الساعة الواحدة ظهرًا، وأن المصلين يغادرون عادة بحلول الثانية. ورغم أننا لم نقتنع أصلًا بوجود تهديد حقيقي، أعلنا تغييرًا في المسار بحيث نصل إلى المنطقة عند الثالثة عصرًا، أي بعد انتهاء الوقت الذي قيل إن الإشكال مرتبط به.
لكن بعد أيام قليلة فقط، تغيّرت الرواية فجأة، وأصبح الحديث أن الموجودين في المعبد سيبقون فيه من الثامنة والنصف صباحًا حتى السابعة مساءً. المفارقة ليست فقط في التبدل الفج، بل في أن الشرطة لم ترَ داعيًا حتى للاستفهام أو التشكيك أو طلب تفسير. مجرد قصة جديدة، فتم اعتمادها والمضي بها.
حين تتغير الروايات بهذه السهولة، وتتعامل السلطة معها باعتبارها حقائق مستقرة، فالمشكلة لا تعود في هشاشة المبرر فقط، بل في وجود رغبة مسبقة في الوصول إلى النتيجة المطلوبة، مهما تبدلت الذرائع في الطريق.
أين العنف الذي تحدثوا عنه؟
قيل الكثير عن الخوف، والفوضى، والتهديد، والعنف. لكن مرة أخرى: أين الأدلة؟
لم يكن هناك أي دليل على عنف ضد الشرطة. لا مقاطع تُظهر اعتداءات، ولا تسجيلات تدعم رواية الاشتباك التي حاول الادعاء تثبيتها. بل إن المشهد الوحيد الواضح الذي وثقته الكاميرات كان الاعتقال العنيف لكريس ناينهام على أيدي خمسة من عناصر الشرطة.
إحدى الشاهدات من الشرطة قالت إنها لم تشعر بالخوف بهذا الشكل طوال سنوات خدمتها. شهادة درامية، تكاد تصلح لنص مسرحي رديء. لكن حين سُئلت لماذا لم تُظهر كاميرا جسدها أي مشاهد عنف، أجابت بأنها رأت تلك الوقائع، لكن الكاميرا لم تلتقطها. يا لها من معجزة تقنية: عنف يظهر للخيال ويختفي عن العدسة.
أحيانًا تبدو بعض الشهادات كأنها كُتبت على عجل في غرفة باردة، ثم طُلب من الجميع التعامل معها بوصفها حقيقة منزّلة.
حتى رواية “عدم المعقولية” انهارت أمام الكاميرا
من أغرب ما طرحته النيابة، وجرى قبوله، الادعاء بأنه من غير المعقول أن نكون قد اعتقدنا أن الشرطة قد تسمح لوفد من ثلاثين شخصًا بالتوجه إلى مبنى الـBBC. لكن حين سألتُ ضابطًا أمام الكاميرا عمّا إذا كان يمكن للوفد أن يمر، جاء جوابه واضحًا: “لا أعرف، سأذهب لأسأل”.
هنا تنهار الحجة من أساسها. إذا كان ضابط الشرطة نفسه لا يعرف ما إذا كانت الشروط تنطبق على الوفد أم لا، فكيف يصبح “غير المعقول” أن نعتقد نحن أن الأمر قد يكون مسموحًا؟ المسألة ليست مجرد تناقض؛ إنها محاولة لإعادة كتابة الواقع بعد وقوعه، على نحو يخدم الرواية الرسمية.
كيف وصلنا إلى هنا؟ الضغط السياسي أولًا
السؤال الحقيقي ليس فقط كيف صدر هذا الحكم، بل كيف صُنعت البيئة التي أوصلت إليه.
الجواب، في رأيي، واضح: كان هناك ضغط لوبيات مؤيدة لإسرائيل على الشرطة قبل هذه المظاهرة لمنعها، وكان هناك، على الأرجح، ميل يوم الاحتجاج نفسه إلى دفع الأمور نحو الانفجار، بما يبرر لاحقًا حظر مزيد من التحركات.
سجل الشرطة كشف اجتماعات مكثفة مع جهات تحمل أجندة مؤيدة لإسرائيل، وبعض هذه الاجتماعات لم يُسجل كما ينبغي. وكشفت الوقائع أيضًا عن استعدادات لاعتقالات جماعية، مع تجهيز أربع مناطق قرب وايتهول لهذا الغرض. بل إننا أُبلغنا يومها من أحد أفراد خدمة الإسعاف في لندن بأن المستشفيات طُلب منها التأكد من توفر أسرة كافية تحسبًا لوقوع إصابات.
حين تصل الدولة إلى مرحلة الاستعداد المسبق للتعامل مع الاحتجاج كما لو كان ساحة معركة، فإنها لا تكون بصدد حفظ النظام العام، بل بصدد صناعة الذريعة.
الهدف: ترهيب الحركة وإخماد الشارع

كل ما جرى يحمل رسالة واضحة: تخويف الحركة، وتبريد الشارع، وردع الناس عن النزول والاحتجاج والمواجهة السياسية. لكن هذه الرسالة لن تعمل كما يريد أصحابها.
ما يحدث لا يمكن فصله عن السياق الأوسع: حكومة تواصل التواطؤ مع الإبادة الجارية في غزة، ومع إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية، ثم تجد الوقت والطاقة لا لإنهاء هذا التواطؤ، بل لتقييد الاحتجاج ضده، ومنح الشرطة مزيدًا من الصلاحيات لقمعه. هذه ليست إدارة محايدة للنظام العام، بل انحياز سياسي يُترجم إلى إجراءات أمنية وقضائية.
من الذي تلطخت سمعته فعلًا؟
قال القاضي في ختام القضية إننا كنا رجلين ذوي سمعة طيبة، أما الآن فقد تلطخت سمعتنا. لكن ثمة سؤالًا أعمق من الجملة نفسها: من الذي تلطخت سمعته فعلًا؟
هل هم أولئك الذين خرجوا احتجاجًا على الإبادة، أم أولئك الذين سعوا إلى تجريم الاحتجاج عليها؟ هل العار يلحق بمن يقفون في الشارع دفاعًا عن العدالة، أم بمن يطلبون من الناس الصمت بينما تُسحق غزة أمام أعين العالم؟
لهذا أفضل أن أستعيد كلمات القس منذر إسحق حين دعا العالم، في كانون أول/ديسمبر 2023، إلى أن ينظر كل شخص في المرآة ويسأل نفسه: ماذا فعلت حين كانت غزة تتعرض للإبادة؟
هنا يكمن الامتحان الحقيقي. لا في صياغة الأحكام، ولا في نبرة القضاة، ولا في محاضر الشرطة، بل في الموقع الذي اختاره كل شخص لنفسه: إلى جانب القمع أم إلى جانب الحرية، إلى جانب الصمت أم إلى جانب الضحايا.
الملايين الذين يشكلون هذه الحركة العالمية يعرفون جيدًا أين يقفون. ونحن أيضًا نعرف. ولهذا سنواصل الاستئناف، والاحتجاج، والمسير، وحملات المقاطعة وسحب الاستثمارات. لأن القضية لم تكن يومًا قضية شخصين في قاعة محكمة، بل قضية حق شعب كامل، وحق الناس في أن يرفعوا أصواتهم دفاعًا عنه.
يمكنكم الاطلاع على تغريدات بن جمال من خلال هذا الرابط هنا.
المصدر: X
اقرأ أيضا:
- تحالف دعم فلسطين في بريطانيا يرفض إدانة بن جمال وناينم: محاولة لترهيب المتضامنين مع غزة
- في يوم أسود للعدالة البريطانية: إدانة “صوتي فلسطين” بن جمال وكريس ناينم.. والمقاومة القانونية مستمرة
- رئيس حملة التضامن مع فلسطين بن جمال ينفي التهم بعد مثوله للقضاء في لندن
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇
