لماذا تُربك حملة القمع الواسعة لمؤيدي فلسطين المحاكم البريطانية؟
أدين اثنان من قادة حركة التضامن مع فلسطين، Chris Nineham، نائب رئيس تحالف “أوقفوا الحرب”، وBen Jamal، مدير “حملة التضامن مع فلسطين”، بتهمة خرق شروط الشرطة بصفتهما منظمَين لاحتجاج سلمي مؤيد لفلسطين. وقد اعتُبر هذا الحكم على نطاق واسع اعتداءً مباشرًا على الحق في التظاهر.
لكن هذه القضية ليست الوحيدة من نوعها. ففي الواقع، أدى ما يُنظر إليه على أنه تجاوز من قبل الدولة إلى حالة من الارتباك داخل النظام القضائي في المملكة المتحدة، الذي يواجه صعوبة في التعامل مع مئات القضايا المرفوعة بموجب قانون النظام العام وتشريعات مكافحة الإرهاب.
ويُعزى هذا التدفق الكبير إلى موجة من توجيه التهم لمتظاهرين بسبب مشاركتهم في احتجاجات مؤيدة لفلسطين منذ أكتوبر 2023، إضافة إلى تصنيف حركة “Palestine Action” كمنظمة محظورة العام الماضي.
أحكام بالبراءة وإسقاط قضايا

في بعض الحالات، ترفض المحاكم ببساطة إصدار إدانات. فقد بُرّئ عدد من النشطاء المؤيدين لفلسطين، سواء بشكل كامل أو من التهم الرئيسية، بينما أُسقطت قضايا أخرى أو اعتُبرت غير قانونية.
في قضية “Filton Six”، المتعلقة باقتحام وقع عام 2024 من قبل نشطاء “Palestine Action” لمصنع تابع لشركة Elbit Systems، بُرّئ المتهمون من تهمة السطو المشدد، وهي أخطر التهم التي واجهوها، فيما عجزت هيئة المحلفين عن التوصل إلى قرار بشأن تهم أخرى. ونتيجة لذلك، أسقط الادعاء لاحقًا التهمة ذاتها عن 18 متهمًا آخرين مرتبطين بالقضية.
في الشهر الماضي، خسرت الحكومة استئنافها ضد قرار إسقاط تهمة إرهابية عن Mo Chara، عضو فرقة الراب الأيرلندية Kneecap، بسبب عرض علم تابع لحزب الله خلال حفل موسيقي. وكانت التهمة قد وُصفت أصلًا بأنها “غير قانونية” و”باطلة”، وأقرت محكمة الاستئناف بأنها قُدمت خارج المهلة القانونية المحددة بستة أشهر.
وفي محكمة التاج بمدينة بريستول، برّأت هيئة المحلفين ناشطة مؤيدة لفلسطين من تهمة دعم حركة المقاومة حماس في خطاب ألقته خلال مظاهرة في كارديف. وأوضح القاضي، في توجيهاته قبل مداولات الحكم، أنه يتعين التأكد من أن تصريحات المتهمة “تدعم حماس بشكل موضوعي”، وهو ما خلصت هيئة المحلفين أنه غير ممكن.
وفي تطور يُعد من أخطر هذه القضايا، قضت المحكمة العليا بعدم قانونية قرار الحكومة بحظر “Palestine Action” بموجب قانون الإرهاب، بينما لا يزال هذا الحكم محل طعن من قبل الحكومة، ما يجعل الوضع القانوني للحظر غير محسوم حتى الآن.
إدانات وأرقام لافتة
مع ذلك، لا يعني هذا أن المحاكم تقف دائمًا إلى جانب المتظاهرين المؤيدين لفلسطين؛ إذ صدرت أيضًا أحكام إدانة عديدة. فقد أُدين خمسة نشطاء بتهمة إلحاق أضرار بمصنع أسلحة في غلاسكو، وصدر بحقهم أحكام بالسجن تراوحت بين 12 و14 شهرًا.
وتُظهر بيانات اعتقالات شرطة العاصمة، التي حللتها شبكة “Netpol”، أنه بين 14 أكتوبر 2023 و31 مارس 2024، سُجلت 305 حالات اعتقال، انتهى نحو 44% منها دون اتخاذ أي إجراء إضافي. ومن بين هذه الحالات، كان هناك 45 اعتقالًا بتهم تتعلق بالكراهية العرقية أو الدينية، أُحيل 11 منها فقط إلى اتهامات فورية، بينما سُجلت 15 حالة اعتقال بتهم إرهابية.
وبحسب التقديرات، قد يمر نحو 2000 متهم عبر المحاكم في نهاية المطاف.
عمومًا، تزداد احتمالات الإدانة عندما يعترف المتهمون بإلحاق أضرار بالممتلكات، أو تتوفر أدلة على التخطيط والتنسيق، أو عندما تُصاغ التهم كجرائم جنائية تقليدية. في المقابل، تميل المحاكم إلى إصدار البراءة عندما ترى أن الادعاء بالغ في توجيه التهم، خاصة عبر استخدام قوانين الإرهاب أو تضخيم التهم مثل السطو المشدد، أو عند ضعف الأدلة على نية إلحاق الأذى بالأشخاص.
كما يلعب تعاطف هيئات المحلفين مع المتظاهرين دورًا مهمًا، وهو ما يفسر سعي الحكومة إلى تجنب القضايا التي تُعرض أمام هيئات محلفين، والحد من عدد القضايا التي تصل إلى هذا النوع من المحاكمات.
آلاف القضايا المؤجلة حتى سنوات مقبلة

القضايا المذكورة، بغض النظر عن نتائجها، ليست سوى جزء صغير من واقع أكبر بكثير. ولا توجد إحصاءات دقيقة حول العدد الإجمالي لقضايا التضامن مع فلسطين التي لا تزال بانتظار المحاكمة، لكن الرقم كبير جدًا، ويشمل قضايا بارزة مثل بقية المتهمين المرتبطين بشركة “Elbit”، ومجموعة من النشطاء المتهمين برش طائرات عسكرية بالطلاء في قاعدة “RAF Brize Norton”. ومن غير المرجح أن تُنظر هذه القضايا أمام المحاكم قبل عام 2027.
كما أن هناك آلاف الأشخاص الذين ما زالوا بانتظار معرفة ما إذا كانوا سيُوجَّه إليهم الاتهام رسميًا ويُحالون إلى المحاكمة أم لا.
سياسة مكشوفة داخل قاعات المحاكم

بعيدًا عن الأرقام، تكشف هذه القضايا عن أبعاد سياسية واضحة، وقد تجلى ذلك مؤخرًا في المحاكمة البارزة لكل من جمال وناينهام.
فقد أُدين الرجلان يوم الأربعاء بخرق شروط التظاهر خلال مظاهرة مؤيدة لفلسطين في لندن العام الماضي، حيث منعت الشرطة التجمع أمام مقر هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، بدعوى قربه من كنيس يهودي.
وخلال المحاكمة، تبيّن أن قائد الشرطة Adam Slonecki عقد اجتماعات مع عدد من الجماعات المؤيدة لإسرائيل، بعد تلقي رسالة من “مجلس القيادة اليهودية” هدّدت باللجوء إلى مراجعة قضائية إذا لم تُفرض قيود على الاحتجاج. وعندما فرضت الشرطة مسارًا بديلًا للمظاهرة، لقي القرار ترحيبًا من قيادات في المجتمع اليهودي.
في المقابل، أظهرت الوقائع أن الشرطة رفضت لقاء ممثلين يهود يدعمون القضية الفلسطينية، في مؤشر على انحياز واضح في التعامل.
كما أقرّ سلونيكي خلال المحاكمة بأنه لم يسمع من قبل بمصطلح Nakba، الذي يشير إلى تهجير الفلسطينيين عام 1948، ما أثار دهشة الحضور داخل قاعة المحكمة.
ورغم ذلك، مُنحت هذه الجهات الأمنية سلطة تحديد حدود الحق في التظاهر، في ظل انتقادات سابقة واتهامات مؤسسية بالعنصرية داخل الشرطة.
وقد تم التواصل مع شرطة العاصمة للحصول على تعليق، إلا أن ردها اقتصر على: “ليس لدينا ما نضيفه”.
استئناف مرتقب وملاحقات مستمرة
ومن المقرر استئناف الحكم بحق ناينهام وجمال، فيما يواجه قياديان آخران في حركة مناهضة الحرب، Sophie Bolt، الأمينة العامة لحملة نزع السلاح النووي، وAlex Kenny، رئيس تحالف “أوقفوا الحرب”، ملاحقات قضائية على خلفية المظاهرة نفسها.
في المجمل، يُنظر إلى هذه التطورات على أنها أوسع حملة قانونية مستمرة ضد قادة الحركات الاجتماعية منذ خمسينيات القرن الماضي. وبينما تستمر المعركة القانونية داخل المحاكم، يرى مراقبون أن الدفاع الحقيقي عن الحريات المدنية لا يتحقق إلا في الشارع، من خلال ممارسة الحق في التظاهر.
المصدر: ميدل إيست أي
اقرأ أيضًا
الرابط المختصر هنا ⬇
