دليلك لمتاحف لندن 2026: هل ستتغير سياسة الدخول المجاني هذا العام؟
في بريطانيا يُعدّ الدخول المجاني إلى معظم المتاحف وصالات العرض الفنية جزءًا من الهوية الثقافية الوطنية، تمامًا مثل هيئة الصحة الوطنية وكوب الشاي المتقن، وشخصيات عامة محبوبة مثل (David Attenborough).
غير أن هذا الامتياز الثقافي يطرح سؤالًا متزايد الإلحاح: من يدفع ثمن إبقاء هذه المؤسسات مفتوحة ومجانية للجمهور؟
هذا الجدل عاد إلى الواجهة مؤخرًا بعدما أثارته الفنانة البريطانية (Tracey Emin)، التي اقترحت أن يتحمل الأثرياء جزءًا أكبر من تكلفة دعم المتاحف، معتبرة أن الحفاظ على مجانية الفن مسؤولية جماعية “لكن بقدرة أكبر لمن يملكون الثروة”.
سياسة مجانية عمرها ربع قرن
تصاعد النقاش حول تمويل المتاحف في السنوات الأخيرة، خاصة بعد التغيرات الكبيرة التي شهدها القطاع منذ أن أدخلت حكومة حزب العمال قبل نحو 25 عامًا سياسة الدخول المجاني إلى المجموعات الدائمة في المتاحف الوطنية.
غير أن هذا النموذج واجه ضغوطًا متزايدة، خصوصًا بعد جائحة كورونا التي استنزفت الاحتياطيات المالية للمؤسسات الثقافية، وأضعفت نموذج التمويل القائم على التبرعات.
كما أدى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى تراجع فرص الوصول إلى الصناديق الثقافية الأوروبية.
وفي الوقت نفسه دفعت احتجاجات اجتماعية بعض المتاحف إلى قطع علاقاتها مع ممولين كبار. فعلى سبيل المثال، توقفت مؤسسات مثل (Tate) و(National Portrait Gallery) عن قبول تبرعات من (Sackler family) بسبب ارتباط اسم العائلة بأزمة المواد الأفيونية في أمريكا، رغم نفيها تلك الاتهامات.
المعارض المدفوعة كحل مؤقت

لمواجهة هذه الضغوط، لجأت المتاحف إلى نموذج هجين يقوم على إقامة معارض مؤقتة مدفوعة إلى جانب المجموعات الدائمة المجانية.
وقد نظمت مؤسسات مثل (Tate) معارض كبرى لفنانين مثل (Lucian Freud) و(Lee Miller)، ما يساعد على تمويل عرض أعمال شهيرة مجانًا للجمهور، مثل لوحة (Sunflowers) للفنان (Vincent van Gogh) ولوحة(Virgin of the Rocks) للفنان (Leonardo da Vinci) .
لكن هذه الإيرادات لم تكن كافية. فبين عامي 2010 و2023، انخفض التمويل الأساسي للفنون والمؤسسات الثقافية في بريطانيا بنسبة 18%، في وقت ارتفعت فيه تكاليف التشغيل بشكل كبير وتراجعت أعداد الزوار.
أزمة مالية تضرب المتاحف الكبرى
أعلنت (National Gallery) مؤخرًا أنها قد تضطر إلى تقليص برامجها العامة وتقليل استعارة الأعمال الفنية الدولية بسبب عجز مالي متوقع يبلغ 8.2 مليون باوند في العام المقبل.
ولا يقتصر الأمر على هذا المتحف وحده؛ فقد أظهر استطلاع أجرته (Museums Association) أن 61% من المتاحف تخطط لتقليص خدماتها بين عامي 2024 و2025.
كما تعمل مؤسسة (Tate) بميزانية تعاني عجزًا، وكانت قد خفّضت نحو 7% من موظفيها العام الماضي في محاولة لسد الفجوة المالية التي خلفتها الجائحة.
هل يدفع الأثرياء الفاتورة؟

ترى (Tracey Emin) أن الحل قد يكمن في زيادة مساهمة الأثرياء عبر العضويات والتبرعات، وهي نفسها تدعم هذا التوجه من خلال مؤسستها الفنية في مدينة (Margate) التي توفر برامج إقامة وتوجيه للفنانين الشباب.
كما دعا مدير (Victoria and Albert Museum) السير (Tristram Hunt) إلى إظهار مزيد من التقدير لكبار المتبرعين للفنون في بريطانيا.
وفي عام 2025، تلقى (National Gallery) تبرعين كبيرين بقيمة 150 مليون باوند من المستثمر في وادي السيليكون (Michael Moritz) وزوجته (Harriet Heyman)، إضافة إلى دعم من (Julia Rausing Trust).
كما موّل الملياردير الأمريكي البيلاروسي( Igor Tulchinsky) أحد أبرز المعارض المرتقبة هذا العام، وهو عرض نسيج (Bayeux Tapestry) في (British Museum) بعد إعارته من نورماندي، في صفقة تُقدّر بنحو 5 ملايين باوند.
مقترح فرض رسوم على السياح

في المقابل، يطرح بعض الخبراء فكرة فرض رسوم دخول على السياح فقط، معتبرين أن دافعي الضرائب البريطانيين يمولون عمليًا تجربة ثقافية يستفيد منها الزوار الأجانب.
فالعديد من المتاحف العالمية، مثل (Louvre Museum) في باريس و( Metropolitan Museum of Art) في نيويورك و(Museo del Prado) في مدريد، تفرض بالفعل رسوم دخول.
لكن منتقدين يحذرون من أن هذه الخطوة قد تقلل أعداد الزوار وتؤثر في الإنفاق السياحي المحيط بالمتاحف.
ضريبة سياحية كحل محتمل
اقتراح آخر يتمثل في فرض ضريبة سياحية بسيطة تتراوح بين 3 و5 باوند لكل ليلة إقامة، على غرار ما هو مطبق في مدن مثل باريس وبرلين.
وتشير تقديرات إلى أن مثل هذه الضريبة قد تولد نحو 1.2 مليار باوند سنويًا يمكن تخصيص جزء منها لدعم المتاحف والمؤسسات الثقافية.
وقد أيد عمدة لندن (Sadiq Khan) هذه الفكرة، مشيرًا إلى أن أربعة من كل خمسة زوار يأتون إلى لندن من أجل الثقافة، وبالتالي من المنطقي أن يسهموا في تمويلها.
“جوهرة التاج الثقافي”
من جهته، يؤكد المدير المؤقت لمؤسسة (Tate Karin Hindsbo) أن المتاحف المجانية تمثل “جوهرة التاج الثقافي لبريطانيا”، وينبغي الاحتفاء بها بدل التشكيك في جدواها.
وفي نهاية المطاف، يتجاوز الجدل مسألة التمويل ليطرح سؤالًا أعمق: ما الغرض من المتاحف؟
فإذا فُرضت رسوم دخول — خصوصًا على السكان المحليين — فقد تصبح المتاحف أقرب إلى شكل من أشكال الترفيه المدفوع مثل السينما أو الحفلات الموسيقية.
لكن كثيرين يرونها أقرب إلى المكتبات العامة: فضاءات للمعرفة المفتوحة التي تعود فائدتها على المجتمع بأكمله.
قد يبدو هذا التصور مثاليًا في عام 2026، لكن الواقع يشير إلى أن المتاحف في بريطانيا تواجه تحديًا ماليًا حقيقيًا — وسيتعين على الحكومة أو الأثرياء أو الزوار المشاركة في تحمل التكلفة.
المصدر:إندبندنت
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
