مأساة غزة: عندما يصبح البحث عن المساعدات الإنسانية طريقاً محفوفاً بالموت
لطالما كان تقديم المساعدات الإنسانية للفلسطينيين لعبةً سوداء أتقنها المجتمع الدولي، إلى الحد الذي أصبحت فيه المساعدة والموت متداخلين على نحوٍ مريع. فلم تكتفِ إسرائيل بممارسة العنف السياسي ضد وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، بل أُجبرت الوكالة أيضًا على العمل تحت شرط “الحياد” الذي يكبّل قدرتها.
ولتشديد القيود أكثر على إمدادات المساعدات الإنسانية وتقديم الخدمات، حظرت إسرائيل عمل منظمات الإغاثة في غزة، مشترطةً تقديم تفاصيل شخصية عن موظفيها وانتماءاتهم السياسية.
في الرواية الإسرائيلية، تُصنَّف المساعدات الإنسانية بوصفها إرهابًا. أما في رواية المجتمع الدولي، فهي مجرد مخرج للهروب من المساءلة السياسية.
“ما تزال المساعدات الإنسانية لا تُعامل بوصفها حقًا أساسيًا”

مؤخرًا أوقفت المحكمة العليا الإسرائيلية قرار الحكومة بحظر 37 منظمة غير حكومية، لكنها نبهت على أن القرار مؤقت، قائلة: “من دون اتخاذ أي موقف، يصدر أمرٌ احترازي مؤقت”. وما تزال القضية قيد النظر، وما تزال المساعدات الإنسانية لا تُعامل بوصفها حقًا أساسيًا. ثم إن السؤال يبقى قائمًا: في سياق استعماري، ما الذي يعتبره الاستعمار أصلًا حقًا إنسانيًا؟
ونُقل عن أثينا رايبيرن، المديرة التنفيذية لتحالف منظمات الإغاثة والتنمية الدولية (AIDA)، قولها: إن قرار المحكمة “خطوة في الاتجاه الصحيح، لكن الطريق ما يزال طويلًا للغاية”.
غير أن البيانات الرسمية لا تعكس الواقع الفلسطيني من جوع وحرمان؛ بل تعكس فقط بيروقراطية العنف الاستعماري ولامبالاة المجتمع الدولي في التدخل.
يكفي المجتمع الدولي أن يستثمر في نموذجٍ فاشل كهذا.
جولة جديدة من الحرمان
وفي الأثناء، ومع بدء إسرائيل والولايات المتحدة ضرباتهما ضد إيران، عادت المساعدات الإنسانية لتُربط مرة أخرى بسرديات أمنية. أغلقت إسرائيل المعابر الحدودية، ووجد الفلسطينيون أنفسهم أمام جولة جديدة من الحرمان من المساعدات الإنسانية.
واليوم أعلنت إسرائيل أنها ستسمح بـ“دخول تدريجي للمساعدات الإنسانية” إلى غزة. وبينما يعاني الفلسطينيون في القطاع من الجوع، يُفترض أن يعالج هذا “الدخول التدريجي” أزمة المجاعة.
أما الأمم المتحدة، فرغم حضورها وتصريحاتها التي تبدو بلا جدوى، فهي تدعو إلى إعادة فتح المعابر فورًا وإدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة، لكن هذا الخطاب لا يؤخذ على محمل الجد، ولا حتى من قبل المؤسسة التي تطلقه.
يعيش الشعب الفلسطيني باستمرار على حافة موجة جديدة من العنف السياسي الذي يقمع وصول المساعدات الإنسانية. وبما أن هذه المساعدات لا تُعطى أولوية أبدًا، وتُتَّخَذ من الناحية العملية غطاء يعين الفاعلين السياسيين على الإفلات من العقاب، فلماذا لا يُكشف هذا النموذج على حقيقته بوصفه خدعة؟
وقف المساعدات كسلاح إبادة

لقد كان مفهوم “المساعدة” دائمًا مجرد تخفيف مؤقت للمعاناة، لكن هذا النموذج لا يأخذ في الحسبان ديمومة الحرب والعنف السياسي والاستعمار. بل إنه لا يأخذ في الحسبان الإبادة الجماعية، ولا الكيفية التي يمكن لإسرائيل من خلالها مواصلة تدمير الفلسطينيين تحت المستوى نفسه من التدقيق الذي يسمح به المجتمع الدولي لانتهاكات “مألوفة” للقانون الدولي، مثل التهجير القسري.
فإذا كان المجتمع الدولي يمتلك القدرة على الاستعمار والإبادة والحروب، فكيف يعجز عن امتلاك القدرة على تقديم المساعدات الإنسانية؟
سيحاول الخطاب السياسي إقناع الجمهور بأن الاهتمام بالأزمات يجري بالتناوب، وأن الأولويات تُحدد وفق الإلحاح واللحظة الراهنة، وأن إيران باتت الآن في صدارة المشهد. غير أن عقودًا من الاستعمار الصهيوني كفيلة بنقض هذه السرديات السائدة.
الفلسطينيون أنفسهم قادرون على دحض هذا الخطاب السياسي؛ لكنهم محرومون من المساحة التي تتيح لهم ذلك، محرومون بفعل العنف السياسي، وبفعل نموذج إنساني فاشل.
المصدر: ميدل إيست مونيتور
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇
