العرب في بريطانيا | إيران ودولة الاحتلال ومآلات الصراع: رؤية في فقه...

1447 رمضان 15 | 04 مارس 2026

إيران ودولة الاحتلال ومآلات الصراع: رؤية في فقه التحولات وسنن التدبير

إيران ودولة الاحتلال ومآلات الصراع: رؤية في فقه التحولات وسنن التدبير
عدنان حميدان March 4, 2026
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
AI Voice Generated by Moknah.io

بين ركام الفوضى وضجيج الشبهات، ثمّة حقيقة واحدة تمنح القلب طمأنينته: أننا لسنا بصدد صدفة عابرة، بل نحن في قلب تدبيرٍ إلهيٍّ عظيم، غايته الكبرى أن يميّز الله الخبيث من الطيب. فهذه الفتنة ليست لكسرنا، بل لصقلنا وتنقية صفوفنا، ليظهر كلٌّ على حقيقته في هذا الامتحان الوجودي الكبير.

نتعلّم من التاريخ، ومن دروس ملوك الطوائف في الأندلس، أن الذين احتفلوا بسقوط خصومهم سياسيًا ومذهبيًا على يد الغزاة، لم يلبثوا أن أصبحوا هم الهدف التالي؛ ولم يُستثنَ منهم أحد. فالتاريخ لا يرحم الواهمين الذين يظنون أن نيران العدو ستقف عند حدود الجار، أو أن الشماتة في انكسار الإخوة ـ أو حتى الخصوم الإقليميين ـ أمام المحتل طريقٌ للنجاة.

حين تكون في مرحلة بناء الذات وتجميع القوى المبعثرة، فإن مصلحتك الاستراتيجية تقتضي وجود أقطابٍ متناكفةٍ ومتصارعةٍ حولك، لتجد لنفسك مساحةً للمناورة وبناء قدراتك الخاصة في ظل انشغال القوى الكبرى ببعضها. لأن انفراد قوة واحدة غاشمة ـ كالمشروع الصهيوني ومن خلفه ـ بالمنطقة، سيكون ثمنه باهظًا جدًا على الجميع دون استثناء.

إن إيران، كلاعبٍ إقليميٍّ أساسي، إذا فقدت الأصوات العاقلة والحكيمة فيها، وتركت إدارة دفتها لمتهورين تسيطر عليهم روح الانتقام وردود الفعل العاطفية، فإنها ستدفع ثمن ذلك غاليًا من استقرارها ومستقبل شعوبها. فالقوة في هذا العصر تحتاج إلى بصيرةٍ تسبق الرصاص، وحكمةٍ تزن المآلات قبل الدخول في صراعاتٍ قد لا تُحمَد عقباها.

إن الخذلان والتقصير التاريخيَّين بحق أهلنا في غزة لا يمكن أن يمرا في ميزان الله وسننه الكونية دون حساب. وما نراه اليوم من اضطرابٍ أمنيٍّ وتحولاتٍ متسارعةٍ في الإقليم خيرُ شاهدٍ على أن السنن لا تحابي أحدًا، وأن دماء المظلومين ترسم اليوم ملامح المرحلة القادمة، وتضع الجميع أمام مسؤولياتهم.

الموقف الواعي لا يتطلب منك بالضرورة أن تقف مع إيران أو تتبنى مشروعها، ولكن من الهزيمة النفسية والسقوط القيمي الصارخ أن تجد نفسك في خندق الصهاينة، أو مبررًا لجرائمهم. فالعدو الصهيوني هو التهديد الوجودي الأول، والبوصلة التي تخطئ هذا العدو بوصلةٌ معطوبة تحتاج إلى إعادة ضبطٍ على قيم الحق والعدل.

إن الموقف الأخلاقي الثابت الذي ننطلق منه يقتضي رفض استهداف أي جهةٍ كانت للمدنيين والمرافق المدنية؛ فقيمنا الإسلامية والإنسانية لا تتجزأ، ولا تتبدل بتبدل الخصومات أو المصالح السياسية. فنحن أصحاب رسالة، لا أصحاب ثاراتٍ عشوائية.

وكل ما يحدث على الساحة اليوم من غطرسةٍ وإبادة يؤكد أن تل أبيب وحكومتها كيانٌ وظيفيٌّ إجراميٌّ يتسبب بكوارث يومية للعالم بأسره، وهو كيان لا يُؤمَن جانبه، ولا يمكن الوثوق بأيٍّ من عهوده. ومواجهته ضرورةٌ إنسانية قبل أن تكون ضرورةً سياسية.

نحن في زمن الغربلة الكبرى، حيث تتساقط الأقنعة وتنكشف العورات السياسية. فكن مع الحق حيث كان، وثق بأن التدبير الإلهي يمضي نحو نصر المستضعفين، ولو بعد حين.


 

 

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا