سورة العصر… حين تتحوّل العقيدة إلى مشروع نجاة جماعي
كلّما ازداد الحديث عن الإنجاز، تعاظم الإحساس بالخسارة. وكلّما اتّسعت الأدوات، ضاق المعنى. كأنّ الإنسان المعاصر يركض بسرعة غير مسبوقة، من دون أن يعرف بدقّة إلى أين يتّجه. نعيش زمنًا يفيض بالمعلومات، ويعاني فقر الحكمة، ويزدحم بالوسائل، بينما يندر فيه الاتجاه.
ليست أزمتنا أزمة معرفة، بل أزمة معنى. فالإنسان يعرف كثيرًا، لكنه يجهل لماذا يفعل ما يفعل. يحقق أهدافًا متلاحقة، ثم يكتشف، متأخرًا، أنه لم يقترب خطوة واحدة من الطمأنينة. وفي هذا الفراغ العميق، يعود القرآن ليقدّم نفسه لا بوصفه كتاب طقوس، بل كتاب حياة؛ كتاب بناء الإنسان، وبناء الجماعة، وبناء المسار التاريخي.
ومن بين سوره كلّها، تقف سورة العصر كنص بالغ الكثافة. ثلاث آيات قصيرة، لكنها تختصر فلسفة الوجود الإنساني بأكملها. ليست سورة تُتلى طلبًا للبركة فحسب، بل بيان يضع الإنسان، فردًا وجماعة، أمام حقيقة الخسارة، وحقيقة النجاة.
حين يقول الله تعالى:
﴿وَالْعَصْرِ﴾
فإنه لا يقسم بوقتٍ من النهار، بل بالزمن بوصفه سياقًا أخلاقيًا. فالعصر في لسان العرب هو الزمن المتحوّل، والمرحلة التاريخية التي تُختبر فيها القيم، وتُمتحن فيها الأمم. الزمن هنا ليس خلفية محايدة للأحداث، بل شاهدًا أخلاقيًا عليها؛ يسجّل ما تفعله الشعوب حين تملك القوة، وحين تُبتلى بالضعف، وحين تُتاح لها الفرص ثم تُهدر.
نعيش عصرًا تتسارع فيه المعرفة، وتتّسع الخيارات، وتتقدّم التقنيات، غير أنّ المفارقة أنّ القلق يتضاعف، والمعنى يتآكل، والإنسان يشعر أنه يملك كل شيء إلا السكينة. كأنّ السورة تقول لنا بهدوءٍ حاسم: ليست المشكلة في العصر ذاته، بل في علاقتنا به، وفي الاتجاه الذي نسير نحوه داخله.
ثم يأتي الحكم القرآني الصريح، الذي لا يترك مجالًا للمراوغة:
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾.
الإنسان بصيغة العموم. والخسارة هنا ليست حالة عارضة، بل هي الأصل ما لم يوجد مشروع نجاة. وهي ليست فقرًا، ولا هزيمة سياسية، ولا تعثّرًا مهنيًا، بل خسارة المعنى، وضياع الغاية، وتيه الاتجاه. قد يربح الإنسان مالًا ومكانة ونفوذًا، لكنه يخسر نفسه، ويغدو النجاح ذاته عبئًا بلا روح.
غير أنّ القرآن لا يترك الإنسان أسير هذا المصير، بل يفتح باب الاستثناء:
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
واللافت أن هذا الاستثناء جاء بصيغة الجماعة لا الفرد. لم يقل: إلا من آمن، بل قال: آمنوا. وكأن النجاة في التصور القرآني ليست تجربة فردية منعزلة، بل مسارًا جماعيًا تُبنى فيه القيم داخل المجتمع، لا خارجه.
الإيمان هنا ليس حالة وجدانية عابرة، ولا قناعة ذهنية مجرّدة، الإيمان رؤية شاملة للحياة، وموقف أخلاقي من الوجود، ومعيار يضبط علاقة الإنسان بنفسه، وبالآخرين، وبالتاريخ. إيمان يمنح المعنى، لا مجرد شعور يمنح طمأنينة مؤقتة.
ومن هذا الفهم العميق تشكّلت عبر التاريخ عقيدة أهل السنة والجماعة، لا بوصفها انتماءً ضيقًا أو تعريفًا إقصائيًا، ولكن بوصفها إطارًا جامعًا حافظ على توازن الأمة؛ جمع بين النص والعقل، وبين الثبات والتغيّر، وبين وحدة الجماعة وتنوّع الاجتهاد.
وكما يذهب د. بشير نافع، فإن عقيدة أهل السنة والجماعة تمثّل السردية الأقدر على التعبير عن الإسلام في معناه الجامع؛ لأنها لم تُبنَ على منطق الاصطفاف، ولا على تضييق الهوية، بل على حفظ الاجتماع، ومنع الغلو، وتقديم المقاصد الكلية على النزعات الجزئية.
فقد حُفِظ الدين في هذا الإطار باعتباره سردية قيمية جامعة، لا تُختزل في سلطة، ولا تُحبس في رمز، ولا تُفصل عن المجتمع، بل تبقى معنى أخلاقيًا حيًّا يوجّه الجماعة ويحمي وحدتها.
وتستكمل سورة العصر رسم هذا المشروع حين تربط الإيمان بالفعل:
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
فالعمل الصالح ليس طقسًا فرديًا معزولًا، بل حضور أخلاقي في الواقع؛ كل فعل يعيد التوازن، ويحمي الكرامة الإنسانية، ويحدّ من الظلم، ويمنع انهيار القيم.
ثم تأتي الآية:
﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾
لتؤكّد أن الحق لا يعيش في الضمائر وحدها، بل يحتاج إلى جماعة تحمله، وتتواصى به، وتحميه من التزييف والمصادرة. فالحق ليس معلومة، بل مسؤولية.
ويُختَم المشروع بـ:
﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
صبر لا يعني الاستسلام، بل القدرة على الاستمرار دون أن تفقد الجماعة أخلاقها، ودون أن يتحوّل السعي للعدل إلى قسوة، أو مقاومة الظلم إلى ظلم جديد.
بهذا المعنى، تتحوّل سورة العصر من موعظة قصيرة إلى خريطة نجاة حضارية:
إيمان يصنع الوعي،
وعمل يحمي القيم،
وتواصٍ يمنع الانحراف،
وصبر يصون المسار.
ومن هنا نفهم أن أعمق أزمات الأمة لم تكن يومًا في نقص الموارد، وإنّما في تفكك الجماعة، وانفصال الإيمان عن الواقع، وتحويل الدين إلى شأن فردي منزوع الأثر.
ليس المطلوب البحث عن كمال مستحيل، ولا إعادة إنتاج الماضي، بل استعادة جوهر المعنى الذي أرسته سورة العصر:
أن ننتقل من التدين الفردي إلى المسؤولية الجماعية،
وأن نربط الإيمان بالعدل لا بالخوف،
وأن نكسر الصمت حين يصبح الصمت مشاركة في الخسارة،
وأن نتمسّك بالجماعة الجامعة لا بالمشاريع الضيقة.
فالنجاة ليست إحساسًا داخليًا،
بل طريق يُسار فيه مع الآخرين.
وإن لم نكن جزءًا من مشروع الحق،
سنكون — مهما حسنت نياتنا —
جزءًا من مشروع الخسارة.
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇



