مستقبل حزب “يور بارتي”: هل تنجح القيادة الجديدة في تجاوز عقبات البداية؟
في لحظة سياسية بريطانية تتسم بالسيولة والتململ، ووسط بحث شريحة من الناخبين عن بديل يساري لحزب العمال، يقف حزب “يور بارتي” أمام مفترق طرق حاسم. فبعد أشهر قليلة فقط على انطلاقه، يجد الحزب نفسه غارقًا في صراعات داخلية أنهكت قاعدته وأربكت صورته العامة. ومع انتخاب قيادة جديدة، يتجدد السؤال: هل تستطيع هذه القيادة طي صفحة الخلافات وتثبيت أقدام الحزب في المشهد السياسي، أم أن عقبات البدايات ستظل تطارد مشروعه؟
حزب طموح… وخلاف مبكر

وُلد “يور بارتي” في أجواء مشحونة، مستندًا إلى إرث الزعيم العمالي السابق جيريمي كوربن، وإلى موجة استياء داخل أوساط اليسار من مسار حزب العمال بقيادة كير ستارمر. لكن ما إن أُعلن عن الحزب حتى ظهرت التصدعات.
اندلع خلاف علني بين معسكري كوربن والنائبة زارا سلطانة بشأن شكل القيادة وبنية الحزب. إطلاق سلطانة بوابة عضوية بشكل منفرد، في محاولة لفرض صيغة قيادة مزدوجة، فجّر أزمة سياسية وتنظيمية تخللتها تهديدات قانونية قبل التوصل إلى هدنة هشة، قيل إنها أنهت الخلاف، لكنها في الواقع عمّقت فقدان الثقة بين الطرفين.
ومع احتدام الصراع، انسحب عدد من الشخصيات البارزة من كلا المعسكرين، ما أدى إلى تركيز النفوذ في يد كوربن ومستشاريه وتحالف المستقلين المتحالف معه، الذين يشكلون القيادة المؤقتة للحزب.
وفي ظل تقلص دوائر الثقة، برز دور المحيطين الشخصيين بالقيادات. فقد وُجهت انتقادات لدور زوجة كوربن في حضوره السياسي، كما أثير جدل بشأن تأثير زوج سلطانة في قراراتها. ويرى مقربون من الطرفين أن إدخال العلاقات الشخصية في صلب القرار السياسي زاد من تعقيد المشهد الداخلي.
وكان المؤتمر التأسيسي في نوفمبر فرصة لإعادة ضبط البوصلة، لكنه تحوّل إلى ساحة اتهامات متبادلة بالمناورات غير الديمقراطية والخلافات المالية والإقصاءات التنظيمية. ورغم إعلان هدنة مؤقتة خلال فترة الأعياد، فإن الانقسام بقي حاضرًا تحت السطح.
قيادة جماعية… حل أم تعميق للأزمة؟
وفي محاولة لمعالجة أزمة الثقة، صوّت الأعضاء لمصلحة نموذج قيادة جماعية عبر لجنة تنفيذية مركزية (CEC)، تضم ممثلين منتخبين من القاعدة الحزبية إلى جانب شاغلي مناصب عامة.
يرى تيار سلطانة أن هذا النموذج يعزز الديمقراطية الداخلية ويمنع تكرار تجارب “الاستحواذ” التنظيمي، في حين يعتقد تيار كوربن أن الحزب بحاجة إلى قيادة منضبطة ووجه سياسي واضح قادر على خوض الانتخابات بفاعلية.
غير أن اعتماد القيادة الجماعية لم ينهِ التنافس، بل نقله إلى ساحة الانتخابات الداخلية، التي ستحدد المعسكر الذي سيمسك بزمام الحزب في المرحلة المقبلة.
وفي موازاة الصراعات الداخلية، أظهرت استطلاعات الرأي تراجعًا في حضور الحزب على المستوى الوطني. فبعد أن أبدى نحو خُمس البريطانيين استعدادهم لدعم حزب يقوده كوربن قبل أشهر، بات “يور بارتي” اليوم يكافح لإثبات وجوده في استطلاعات الرأي.
في المقابل، يحقق حزب الخضر تقدمًا ملحوظًا، ولا سيما بين الشباب، ما يضع الحزب الجديد أمام تحدي إثبات تميّزه وهُويته السياسية.
جوهر الخلاف داخل “يور بارتي” يتجاوز الأشخاص إلى الرؤية.
هل هو مشروع انتخابي يسعى إلى منافسة حزب العمال و”ريفورم” اليميني المتطرف في صناديق الاقتراع، أم حركة يسارية طويلة النفس تُعيد بناء القاعدة الاشتراكية والنقابية من الأسفل؟
تيار كوربن يميل إلى التركيز على الانضباط الحزبي وخوض الانتخابات بقوة، فيما يضع تيار سلطانة أولوية لبناء هيكل ديمقراطي قاعدي قبل التوسع الانتخابي. وبين هاتين المقاربتين، يقف الأعضاء العاديون متطلعين إلى استقرار طال انتظاره.
فرصة أخيرة
ورغم الإخفاقات، لا يمكن إنكار أن الحزب نجح في تحريك نقاش واسع داخل اليسار البريطاني، واستقطاب عشرات الآلاف من الأعضاء، وفق أرقامه المعلنة. كما شاركت فروعه المحلية في دعم إضرابات عمالية وحملات مجتمعية، ما يشير إلى وجود طاقة تنظيمية حقيقية.
لكن استمرار الصراعات يهدد بإحباط هذه القاعدة، ولا سيما في ظل لحظة سياسية قد لا تتكرر بسهولة، مع تراجع شعبية الحكومة وصعود قوى يمينية.
يبقى السؤال المطروح اليوم بإلحاح:
هل تستطيع القيادة الجديدة تجاوز عقبات البداية، وبناء حزب موحد قادر على ترجمة الطموحات إلى نفوذ سياسي فعلي، أم أن حزب “يور بارتي” سيظل أسير صراعاته الداخلية، فيفوّت فرصة تاريخية لإعادة تشكيل يسار بريطانيا؟
المصدر: Novara Media
اقرأ ايضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
