العرب في بريطانيا | سياسات "الحسم" الإسرائيلية.. انتحار س...

1447 رمضان 16 | 05 مارس 2026

سياسات “الحسم” الإسرائيلية.. انتحار سياسي واختبار أخلاقي لـ”لندن”

سياسات "الحسم" الإسرائيلية.. انتحار سياسي واختبار أخلاقي لـ"لندن"
عدنان حميدان February 9, 2026

واهمٌ من يظن أن ما يسمى بـ”كابينيت” الاحتلال يشرّع اليوم قوانين للقوة؛ بل هو في الحقيقة يشرّع لـ”الفوضى الدولية”، ويضع العالم بأسره أمام مرآة عكست قبح الازدواجية في المعايير.

إن القرارات الأخيرة التي أعلنها الثنائي المتطرف “سموتريتش وكاتس” لفرض السيادة المطلقة على الضفة الغربية وتصفية المعالم الفلسطينية في قلب الخليل والحرم الإبراهيمي، ليست مجرد إجراءات إدارية عابرة، بل هي عدوان سياسي وقانوني سافر، لا يستهدف الجغرافيا الفلسطينية فحسب، بل يضرب بعرض الحائط كل المنظومة الدولية التي تدّعي بريطانيا والغرب حمايتها والتباكي عليها.

لقد كشفت هذه القرارات الدراماتيكية الوجه الحقيقي لمنظومة الاحتلال؛ وجهٌ كالح لا يعترف باتفاقيات، ولا يقيم وزنًا لشرعية دولية، ولا يرى في الآخر إلا هدفًا للإلغاء.

إن “إعلان الوفاة” الذي وقّع عليه الاحتلال فعليًّا لاتفاق أوسلو عبر إلغاء التصنيفات الجغرافية (أ، ب، ج)، ينهي عقودًا من الأوهام التي استغلها المحتل كغطاء لتوسعه الاستيطاني، ويضع المجتمع الدولي اليوم أمام مأزق تاريخي: إما الانحياز الفعلي للقانون الدولي، وإما القبول رسميًّا بشريعة الغاب بوصفها منهجًا لإدارة الصراعات.

وهنا لا بد أن نوجه النقد المباشر وبكل جرأة لكل القوى الدولية، وعلى رأسها “لندن الرسمية”، التي ما زالت تكتفي ببيانات “التنديد اللفظي” الباهتة، بينما تمنح الاحتلال عمليًّا غطاءً من الإفلات من العقاب تحت مسميات واهية.

إن الاكتفاء ببيانات القلق تجاه “الضم الفعلي” للضفة الغربية هو في جوهره تواطؤ سياسي صارخ، يمنح الضوء الأخضر للمستوطنين لمواصلة نهب الأرض، وشرعنة السرقة، وتشريد أصحاب الأرض الأصليين عبر “مجازر قانونية” تسعى لتغيير وجه المنطقة ديمغرافيًّا.

إن هذا النفاق السياسي العالمي هو الذي شجع الاحتلال على المضي قدمًا في سياسة “الحسم” التي تجمع بين حرب الإبادة في غزة وعمليات المحو والضم في الضفة والقدس، في محاولة يائسة لتصفية الوجود الفلسطيني وطي صفحة القضية للأبد.

يا أحرارنا في المملكة المتحدة، ويا أبناء العرب في بريطانيا الذين جعلوا من لندن منصة للصوت الحر: إن دورنا اليوم في بريطانيا يتجاوز بكثير حدود التضامن العاطفي أو الشعارات الرنانة.

نحن نعيش في قلب دولة تساهم سياساتها، وتجارتها، ومواقفها في المحافل الدولية بشكل مباشر في رسم ملامح المشهد في فلسطين. لذا، فإن التحرك المطلوب منا في هذه اللحظة الفارقة يجب أن يكون ذكيًّا، وحادًّا، ومنظّمًا لإحداث اختراق حقيقي في جدار الصمت البريطاني.

يجب أن ننتقل من “التضامن” إلى “التأثير السياسي” الفعلي؛ فالمطلوب هو نزع الشرعية عن منظومة الاستيطان بالكامل، والضغط الشعبي والقانوني لفرض مقاطعة شاملة لا تقتصر على بضائع المستوطنات فحسب، بل تمتد لتشمل كل المؤسسات والأفراد الذين يدعمون هذا النظام العنصري “الأبرتهايد”.

إن أي صمت من ممثلينا في البرلمان البريطاني تجاه هذه القرارات يجب أن يُجابه بضغط انتخابي حقيقي، ليعلم كل سياسي أن ثمن التواطؤ مع الاحتلال هو فقدان ثقة الكتلة العربية والمسلمة والأحرار في دوائرهم.

علينا أيضًا تفعيل المسارات القانونية الرادعة بالتعاون مع المنظمات الحقوقية البريطانية والدولية؛ لتوثيق هذه الانتهاكات بوصفها جرائم حرب تسعى لتغيير ديمغرافي قسري، وملاحقة المحرضين على هذه السياسات في المحاكم المحلية.

إن الاحتلال بقراراته الانتحارية هذه يضع نفسه في صدام مباشر مع منطق التاريخ، لكن الرهان الحقيقي لم يكن يومًا على صحوة ضمير المحتل أو عدالة القوى الكبرى، بل كان وما زال على صمود شعبنا الأسطوري فوق أرضه، وعلى يقظة أحرارنا في الشتات الذين يرفضون أن تمر هذه الجرائم تحت ستار الظلام.

إن بريطانيا، بكل ثقلها التاريخي في قضيتنا، يجب أن تسمع اليوم منّا صوتًا لا يقبل التأويل؛ صوتًا يقول إن “زمن الإفلات من العقاب قد ولّى”، وأننا لن نصمت بينما يُنتهك القانون الدولي وتُسرق فلسطين علانية وبدم بارد.

إن إرادة الشعوب هي الصخرة الوحيدة التي ستتحطم عليها كل مؤامرات الضم والتهجير، وواجبنا هنا في بريطانيا أن نكون جزءًا أصيلًا من تلك الصخرة؛ حمايةً للحق، ودفاعًا عن الإنسانية التي تُذبح في فلسطين كل يوم.


 

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا