حين يشتري المال الصمت… وتُباع الإنسانية على موائد النخبة
لم تكن قضية جيفري إبستين مجرّد فضيحة جنسية، ولا ملفًّا جنائيًّا عابرًا لرجل منحرف أسرف في استغلال جسمه وماله.
كانت، وما تزال، مرآة قاسية تُجبر العالم على النظر في وجهه الحقيقي: وجه السلطة حين تتعرّى، ووجه المال حين يفقد أي صلة بالأخلاق، ووجه العدالة حين تُخدَّر وتُشترى وتُنزَع منها روحها.
إبستين لم يكن استثناءً شاذًّا في نظامٍ عادل، بل كان نتاجًا طبيعيًّا لنظامٍ يسمح للثروة أن تصبح حصانة، وللمكانة الاجتماعية أن تتحوّل إلى جواز مرور فوق القوانين، وفوق الأجساد، وفوق الضمائر.
حين يتحوّل المال من وسيلة إلى وثن معاصر
في عالمٍ تحكمه الأرقام لا القيم، لم يعد المال وسيلة للعيش الكريم، بل صار أداة للهيمنة. المال لا يشتري الصمت فقط، بل يشتري القوانين، والقضاء، والإعلام وحتى تعريف “الجريمة” نفسها..
حين يمتلك شخصٌ ما المال والعلاقات، لا يُسأل عما فعل ويفعل، بل يُسأل عن طريقة إخفاء أفعاله، وهنا تحديدًا تبدأ الجريمة الحقيقية.
ليست في الفعل فقط، بل في التواطؤ الجماعي الذي يحميه: سياسيون، وقضاة، وبنوك، وإعلام، ومؤسسات تدّعي الأخلاق وهي أول من يبيعها.
إبستين لم يكن وحده. حوله كانت شبكة من أصحاب النفوذ: سياسيون، ورجال أعمال، ورجال قانون، وأمراء، وفنانون، وجوه لامعة تُقدَّم للعالم كنماذج نجاح.
هؤلاء لم يضطروا إلى تلطيخ أيديهم دائمًا، يكفي أنهم: صمتوا، وسهّلوا، وموّلوا، أو تستّروا.
هكذا تُطمَس العدالة. لا لأن الحقيقة غير معروفة، بل لأن المعروف أخطر من أن يُقال.
من غرف إبستين إلى أنقاض غزة: المنظومة واحدة
من يظن أن ما حدث في قضية إبستين منفصل عمّا يحدث في غزة، أو في بلادنا العربية، أو في تشويه الإسلام، فهو لم يفهم طبيعة هذا العالم.
المنظومة واحدة: المال نفسه، والنفوذ نفسه وازدواجية المعايير نفسها.
من استباح جسم طفلة في غرفة مغلقة، هو ذاته، بمنطق المنظومة، من يبرّر إبادة أطفال غزة بالصواريخ، وهو ذاته من يتّهم الإسلام بالإرهاب، وهو ذاته من يلوّث صورة المجتمعات المسلمة باتهامات زائفة كـ”تزويج القاصرات”، في حين أن أرشيفه طافح بجرائم حقيقية موثّقة.
لكن الفرق أن جرائمهم تُرتكب باسم “الأمن”، و”الحرية” و”الديمقراطية”، أما جرائم غيرهم فتُسمّى إرهابًا!
قد تتأخر العدالة البشرية، وقد يُغلق ملف، وقد يُقال “انتحر”، وقد تُحجب أسماء، لكن الفضح الإلهي لا يتوقف.
تسقط الأقنعة تدريجيًّا: وثائق تُسرّب، وملفات تُفتح، وأسماء تظهر بعد موت أصحابها، وشهادات تخرج من تحت الركام.
كل من حرّض، وموّل، ودعم سياسيًّا أو عسكريًّا أو صمت وهو قادر على الكلام سيظهر، ولو بعد حين؛ فالحق لا يموت.
ماذا ستكشف لنا ملفات إبستين مع مرور الوقت؟
كم اسمًا لا يزال محميًّا؟ كم جريمة دُفنت في “جزيرة العار العالمي” لأن مرتكبيها “كبار جدًّا” على المحاسبة؟
هل سنرى يومًا المجرمين الحقيقيين خلف القضبان؟ أم سيستمرون في حكم الشعوب، وتدمير الدول، وانتهاك الحرمات، وسط تصفيق المنافقين، وصمت المتواطئين، وخطابات أخلاقية كاذبة؟
وهل العدالة في هذا العالم ممكنة فعلًا؟ أم أن الأمل الحقيقي ليس في محاكم الأرض، بل في محكمةٍ لا تُشترى، ولا تُخترق، ولا يغيب عنها شيء؟
اقرأ أيضًا:
- جبر الخواطر عبادة صامتة تصنع أثرًا عميقًا في حياة الناس
- أنس الشريف.. حين يصبح الجسد غيابًا والصوت خلودًا
- غزة… الملك القادم من السجن
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇



