هل بريطانيا دولة خطرة فعلًا؟ قراءة متوازنة في أرقام ومعدلات الجريمة
في كل مرة تعود فيها أرقام الجريمة إلى واجهة النقاش العام في بريطانيا، يتجدد القلق لدى كثيرين: زائر يخطط للمجيء، أو مقيم جديد لم يعتد بعد لغة التقارير البريطانية، أو حتى مقيم منذ سنوات يفاجَأ بعناوين تتحدث عن «أكثر المدن خطورة».
وهذا القلق مفهوم. لكن المشكلة لا تكمن في الأرقام بحد ذاتها، بل في طريقة قراءتها خارج سياقها الإنساني والاجتماعي.
خلال الفترة الماضية، صدر تقرير يصنّف عشر مناطق باعتبارها الأعلى من حيث الجريمة المسجّلة، من بينها مناطق معروفة مثل وستمنستر وكامدن وإزلنغتون، إضافة إلى مدن كبرى مثل مانشستر ونوتنغهام وبريستول وليستر ونيوكاسل أبون تاين.
وفي الوقت نفسه، أكدت إحصاءات رسمية أن بريطانيا تسجّل أدنى معدلات جرائم القتل منذ ما يقارب خمسين عامًا.
وهنا يبدو التناقض ظاهريًّا فقط؛ لأن فهم الأرقام يحتاج إلى قراءة أعمق.
ماذا تعني “الخطورة” في التقارير البريطانية؟
في بريطانيا، تُقاس “الخطورة” غالبًا بعدد البلاغات المسجّلة، لا بدرجة العنف. وتشمل هذه البلاغات كل شيء تقريبًا: من سرقة هاتف أو دراجة، إلى شجار محدود أو تخريب ممتلكات.
ولهذا تظهر المناطق السياحية والمكتظة في مقدمة القوائم؛ لا لأنها غير آمنة، بل لأنها الأعلى حركةً والأكثر تبليغًا.
لكن من الإنصاف أيضًا القول إن تسجيل كل حادث لا يعني دائمًا كفاءةً كاملة في التعامل معه. فمثل أي مؤسسة كبيرة، لا يخلو عمل الشرطة من تفاوت في الأداء، أو تأخير في الاستجابة، أو إهمال فردي في بعض الحالات. وهي قضايا تُناقَش علنًا في الإعلام البريطاني، وتخضع للمساءلة والمراجعة.
وجود هذا القصور لا ينفي المنظومة، لكنه يذكّر بأن الأمن -حتى في الدول المتقدمة- ليس نظامًا معصومًا من الخطأ.
أدنى معدل قتل… وماذا بعد؟
عند الانتقال إلى معيار القتل تحديدًا، وهو المؤشر الأهم عالميًّا، تظهر صورة أكثر طمأنينة. فبريطانيا اليوم عند أدنى مستوياتها منذ عقود طويلة، وأقل بكثير من معدلات دول كبرى ومتقدمة.
وهذا يؤكد أن العنف المميت ليس ظاهرة عامة، ولو ارتفعت نسبة بعض الجرائم البسيطة المرتبطة بالفرص والضغوط الاقتصادية.
لا تهويل ولا تهوين
الواقعية تقتضي قول الأمرين معًا.
فمن غير المنطقي أن يسير الإنسان ليلًا في شارع شبه خالٍ، وبالقرب منه شخص مخمور أو متعاطٍ للمخدرات -أو كلا الأمرين- وهو يرتدي ساعةً فاخرة تلفت الأنظار، ثم يتوقع ألّا يحاول أحد سرقتها.
هذه ليست مسألة دولة آمنة أو غير آمنة بقدر ما هي سلوك بشري متوقع في أي مكان في العالم.
ولو تكرر المشهد نفسه في باريس أو روما أو نيويورك أو برشلونة، لما اختلفت النتيجة كثيرًا.
الجريمة المنظمة… واقع العصر
إلى جانب جرائم الفرص، لا يمكن إنكار وجود جريمة منظَّمة، ولا سيما في سرقة الهواتف والساعات وكل ما خفّ حمله وغلا ثمنه.
فبعض هذه السرقات تتم ضمن شبكات محترفة تعرف ماذا تستهدف، وكيف تنقل المسروقات خارج البلاد بسرعة قياسية.
وهذه الظاهرة ليست فشلًا أمنيًّا بقدر ما هي انعكاس لحقيقة معروفة:
كلما تقدّمت الدول، تقدّمت معها تقنيات الجريمة وأساليبها.
الجريمة والاقتصاد: علاقة واضحة
ارتفاع كلفة المعيشة، والتضخم، وضغوط الإيجار، وتراجع الدخول الحقيقية؛ كلها عوامل تؤثر مباشرة في معدلات بعض الجرائم البسيطة. وهي ظاهرة عالمية لا تخص بريطانيا وحدها.
وماذا عن الدول العربية والإسلامية؟
ومن الإنصاف كذلك التذكير بأن هناك دولًا عربية وإسلامية تتمتع بمستويات أمان عالية فعلًا، يعود جزء منها إلى:
- وازع ديني واجتماعي قوي
- قوانين صارمة
- عقوبات رادعة حتى في الجنايات الخفيفة
- تشدد كبير في شروط الدخول والإقامة
وهذه الدول تمثل نماذج ناجحة في الأمن المجتمعي، لكنها غالبًا استثناء لا قاعدة؛ لأنها تعتمد منظومة شديدة الانضباط لا تسمح بتدفق سكاني واسع، ولا بهوامش الخطأ الموجودة في المدن المفتوحة الكبرى مثل لندن أو باريس.
المقارنة هنا ليست لإثبات تفوق طرف على آخر، بل لفهم اختلاف النماذج: نموذج المدن المفتوحة، ونموذج الدول المغلقة نسبيًّا.
لماذا تبدو أرقام بريطانيا أعلى؟
السبب بسيط: الشفافية.
في بريطانيا يُسجَّل كل بلاغ، ويُنشر كل رقم، وتُناقَش الإخفاقات علنًا، أما في دول كثيرة فلا تُسجَّل الجرائم أصلًا، أو لا يُبلَّغ عنها، أو تُخفى اجتماعيًّا أو رسميًّا.
ولهذا فإن المقارنة الرقمية المجردة تكون أحيانًا مضلِّلة.
ما المطلوب من الزائر والمقيم؟
ليس الخوف، ولا السذاجة.
بل وعي هادئ يشبه أي مدينة كبرى في العالم:
- انتباه في الأماكن المزدحمة
- حذر ليلي طبيعي
- عدم إظهار المقتنيات الثمينة بلا حاجة
- استخدام النقل الرسمي
- قراءة الواقع بعين عقلانية
الصورة الكاملة
بريطانيا ليست مثالية، وليست دولة خطرة.
هي بلد مفتوح، عالي الشفافية، يواجه عقبات اقتصادية واجتماعية، وفيه قصور أحيانًا كما في أي دولة، لكنه ما يزال من أكثر بلدان العالم أمانًا للعيش والعمل والدراسة والسياحة، عندما تُقرأ أرقامه بوعيٍ لا بعناوين صادمة.
بين التهويل الذي يخيف الناس، والتهوين الذي يضللهم، تبقى الحقيقة دائمًا في المنتصف… حيث يحمي الوعي الناس أكثر من أي شيء آخر.
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇



