العرب في بريطانيا | الصديق الافتراضي في عالم رمادي

1447 شعبان 20 | 08 فبراير 2026

الصديق الافتراضي في عالم رمادي

الصديق الافتراضي في عالم رمادي
محمد صالح February 3, 2026

في عصر ما قبل الثورة المعلوماتية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، كانت العلاقات الإنسانية تُبنى ببطء على الصدق والعمق، وكانت السطحية أمرًا نادرًا. كانت الصداقة قائمة على اللقاءات المباشرة، والمحادثات الصادقة التي تأخذ وقتًا في التواصل الهادئ، والمواقف المشتركة التي تختبر معدن الإنسان، فتظهر حقيقة العلاقة في أوقات الشدة قبل الرخاء، قبل أن تفرض وتيرة الحياة المتسارعة وهيمنة القيم المادية حضورها الطاغي على مختلف جوانب الحياة، بما فيها العلاقات الإنسانية نفسها.. ولعلّ الإمام الشافعي عبّر عن هذا المعنى بقوله:

إذا المرءُ لا يَرْعَاك إلا تَكَلُّفاً، فدَعْهُ ولا تُكْثِرْ عليه التأسُّفَا

وعبقرية هذا البيت أنه يلخّص حقيقة مهمة، وهي أن العلاقة القائمة على التكلّف والمجاملة لا تُسمّى صداقة حقيقية؛ لأنها تفتقد الصدق والاهتمام الطبيعي ولا سيما في عالم اليوم.

واليوم حيث سادت المظاهر السطحية على منصات التواصل الاجتماعي، فقد تغيّر مفهوم الصداقة جذريًّا. أصبح عدد المتابعين والأصدقاء وحجم التفاعلات الرقمية معيارًا للقرب والعلاقة، أكثر من قياسها بالمشاعر الصادقة أو الدعم الحقيقي. وفي كثير من الأحيان، يُختزل القرب الإنساني في إعجاب أو تعليق عابر على شكل رمز تعبيري، كقلب أو إشارة رفع الإبهام لإبداء الموافقة، دون أن يعكس ذلك حقيقة العلاقة أو عمقها. وقد أصبح بعض الناس يظن أن تكرار هذه التفاعلات أو كثرتها دليل على قوة الصداقة، لكن الواقع يظهر أن هذه المؤشرات الرقمية تكون في الغالب سطحية، ولا تقيس صدق المعنى الإنساني للعلاقة.

وقد ساهم طغيان الحياة المادية والإيقاع السريع لكل شيء في تراجع العلاقات الإنسانية الصادقة، فتضاءلت المساحة لبناء صداقات حقيقية. ولعل هذا ما دفع كثيرين للتوجه إلى العالم الافتراضي؛ بحثًا عن تواصل يبدو ممتعًا وسريعًا، لكنه غالبًا يفتقد للعمق والمضمون الحقيقي. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن منصات التواصل الاجتماعي وفرت وسيلة لتعزيز العلاقات بين الأشخاص الذين فرّقت بينهم الظروف والمسافات، فتَمكَّن الأصدقاء والأقارب البعيدون من البقاء على اتصال، إلا أن هذا النوع من التواصل لا يعوّض أبدًا عن العلاقات المبنية على اللقاء المباشر والمواقف الواقعية.

رغم اتساع دوائر العلاقات الرقمية، يبقى وجود عدد محدود من الأصدقاء الحقيقيين أكثر قيمة من امتلاك شبكة واسعة من المعارف السطحية. فالصداقة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأسماء في قوائم الاتصال، ولا بعدد المشاركين في مجموعات واتس آب أو غيرها من المنصات الرقمية. فقد تضم مجموعة واحدة أكثر من مئة شخص، لكن القليل فقط منهم تجمعك به علاقة قائمة على الثقة والصدق. وفي الغالب تظل هذه العلاقات شكلية ومحدودة التأثير، لا تتجاوز حدود المجاملات العابرة أو التعليقات العفوية على المنشورات والصور.

التفاعل الرقمي، رغم سهولته وسرعته لا يغني عن التواصل الشخصي المتأنّي، لا يعكس دائمًا حقيقة العلاقة. فقد يبدو الشخص قريبًا جدًّا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكنه في الواقع بعيد عن الحضور الحقيقي والدعم الفعلي عند الحاجة. فالوقوف إلى جانب الآخر في أوقات الحاجة لا يعوّضه إعجاب أو تعليق، ولا تحلّ محله أي تفاعلات رقمية عابرة، كما لا يمكن أن يُعوّض عن الحوار الصادق والاهتمام الحقيقي الذي يثبت قيمة الصداقة ويمنحها معناها الإنساني العميق.

العلاقات السطحية تقوم غالبًا على مصالح مؤقتة أو على الظهور الاجتماعي، وهي علاقات سرعان ما تتلاشى عند أول اختبار حقيقي. أما العلاقات الوثيقة، فهي تحتاج إلى وقت وجهد مستمرين، وتواصل إنساني صادق، لكنها في المقابل تمنح الإنسان شعورًا بالأمان والانتماء. ووجود صديق واحد صادق يمكن الاعتماد عليه أفضل من عشرات المعارف الذين يغيبون حين تتطلب الصداقة موقفًا حقيقيًّا.

كما أن كثرة العلاقات السطحية، رغم مظهرها الجذاب والحافل بالود الظاهري، قد تؤدي إلى شعور متزايد بالوحدة. فحين يحيط بالإنسان عدد كبير من الأشخاص دون أن يشعر بأن أحدًا يفهمه بعمق، يزداد الإحساس بالعزلة، وعلى العكس، تمنح العلاقات القليلة والمتينة دعمًا نفسيًّا حقيقيًّا، وتساعد الإنسان على مواجهة ضغوط الحياة بثبات وطمأنينة.

وفي زمنٍ طغت فيه العلاقات السطحية بفعل وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من العوامل التي دفعت بالحياة نحو المادية المتسارعة، تزداد أهمية الحفاظ على دائرة صغيرة من الأصدقاء الحقيقيين. فالقلة الصادقة خير من الكثرة الزائفة، وتبقى الصداقة الحقيقية من أثمن ما يملكه الإنسان؛ لأنها تمنحه الإحساس بالقيمة والصدق والدعم الذي لا يُقدَّر بثمن. لذلك، لا ينبغي للإنسان أن يغترّ بكثرة المعارف في مجموعات واتس آب أو عبر منصات التواصل الاجتماعي، إذ إن معظمها يظل علاقات افتراضية عالقة في منطقة ضبابية وسطى بين الحقيقة والوهم، علاقات غير واضحة المعالم، رمادية اللون.


اقرأ أيضًا:

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا

آخر فيديوهات القناة