العرب في بريطانيا | هل لا يزال للصوت الإنساني مكان في عصر ChatGPT؟

1447 شعبان 20 | 08 فبراير 2026

هل لا يزال للصوت الإنساني مكان في عصر ChatGPT؟

هل لا يزال للصوت الإنساني مكان في عصر ChatGPT؟
سرفراز منظور February 1, 2026

القلق جزء من مهنة الكتابة. فمنذ أكثر من ثلاثين عامًا، وأنا أعمل في هذا المجال، ولم تمرّ عليّ فترة خلت من القلق بشكل أو بآخر.

في بداياتي، كان همّي إقناع المحررين بمنحي فرصة للكتابة. ثم تحوّل القلق إلى خوف من أن أُحبس في إطار واحد، أو أن أظل عالقًا في هشاشة الاستقرار المالي الذي يلازم العمل الحر. لاحقًا، صار السؤال أكثر إزعاجًا: هل سيهتم أحد فعلًا بما أريد كتابته؟
أما اليوم، فقد انضم إلى كل ذلك قلق جديد: هل يمكن أن يحلّ الذكاء الاصطناعي محلّ الكاتب؟

إلى جانب عملي الصحفي، أدرّس الكتابة غير الروائية في كلية لندن الجامعية، حيث أحاول طمأنة طلابي بأن التفكير في أن يصبح المرء كاتبًا في زمن “تشات جي بي تي” ليس فكرة عبثية بالكامل. ورغم التحذيرات المتزايدة من تأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل المهنة، كنت أعتقد أنه لا يزال عاجزًا عن تقليد ما يمنح الكتابة قيمتها الحقيقية: الصوت، والخصوصية، واللمسة الإنسانية.

بدافع هذا الاعتقاد، قررت إخضاعه لاختبار عملي داخل الصف.

طلبت من طلابي قراءة نصّين. الأول مقال كتبته أنا، تناولت فيه كيف وجدت قدرًا من الطمأنينة في الأشياء المتوقعة وسط عام مضطرب مثل 2026. أما النص الثاني، فكان من إنتاج “تشات جي بي تي”، بعد أن طلبت منه كتابة مقال من 700 كلمة يدافع عن الفكرة نفسها “بأسلوبي”.

حرصت على طباعة النصّين بالشكل نفسه، من حيث الخط والتنسيق، حتى لا يؤثر الشكل في الحكم. توقعت أن يلاحظ الطلاب بسهولة أن نص الذكاء الاصطناعي متماسك لكنه سطحي، في حين يتميز النص الإنساني بالخصوصية وخفة الظل والإيقاع. كنت واثقًا من النتيجة.

لكن ما حدث كان مختلفًا تمامًا.

عندما طلبت آراءهم، قال معظم الطلاب إن نص الذكاء الاصطناعي أفضل. رأوه أوضح تنظيمًا، وأكثر تسلسلًا في الأفكار، وأوسع في الطرح. ثم جاءت الملاحظة الأكثر إيلامًا: قال بعضهم إنه بدا “أكثر شخصية” من النص الذي كتبته أنا.

عندما كشفت لهم حقيقة النصّين، ساد صمت قصير في القاعة. بدا الارتباك واضحًا على وجوههم، وربما بدأ بعضهم يعيد التفكير في اختياره لدراسة الكتابة أصلًا. بعدها حاولوا تفسير موقفهم. معظمهم طلاب دوليون، وكثيرون منهم من الصين، ولم تكن الإشارات الثقافية التي استخدمتها مألوفة لهم. أسماء وأغانٍ وشخصيات افترضت أنها ستقرب النص من القارئ، جعلته بالنسبة لهم أقل قابلية للفهم والتفاعل.

في تلك اللحظة، بدأ المشهد يتضح.

لم يتفوّق نص الذكاء الاصطناعي لأنه أعمق أو أذكى، بل لأنه أكثر حيادًا. لغته مباشرة، بلا إحالات ثقافية، وبنية نصّه تشبه المقال الأكاديمي الذي اعتادوا عليه. ينتقل بسلاسة من فكرة إلى أخرى، من دون مفاجآت أو زوايا حادة.

أما نصّي، فكان يفترض ذاكرة مشتركة مع القارئ، ويتضمّن نكات ولمسات ذاتية. والمفارقة أن الطلاب الأكثر اطلاعًا على الإعلام – أولئك الذين قالوا إنهم يقرؤون الصحف بانتظام – كانوا الأقل اقتناعًا بنص الذكاء الاصطناعي. وصفه بعضهم بأنه بارد، وقال آخرون إنه سريع النسيان، ولا يمكن تحديد زمن كتابته. في المقابل، أشار أحد الطلاب إلى جملة من نصّي وصفها بأنها عالقة في الذهن، بينما قال آخر إن النص دفعه للاستماع إلى أغنية Disco 2000 للمرة الأولى.

الخلاصة كانت واضحة:
نص الذكاء الاصطناعي متقن، لكنه بلا أثر.
أما النص الإنساني، فيتطلب من القارئ جهدًا أكبر، لكنه يمنحه تجربة أغنى.

قلت لطلابي إن نص الذكاء الاصطناعي قد يكون أقنعهم، لكنه على الأرجح لم يكن ليقنع محررًا محترفًا. فلو قدّمت ذلك النص للنشر، لربما قيل لي إنه يحتاج إلى مزيد من العمل، وإنه يفتقر إلى صوت واضح وإحساس شخصي.

هل يمكن أن يأتي يوم يحلّ فيه الذكاء الاصطناعي محلّ الكاتب؟ هذا احتمال قائم، لكنه ليس حتميًا.

أما مهمتي في ما تبقى من الفصل الدراسي، فهي أن أعلّم طلابي ليس فقط كيف يكتبون بشكل أفضل، بل كيف يميّزون الكتابة الإنسانية الحقيقية ويقدّرونها، في زمن تزداد فيه النصوص المتقنة شكليًا، والخاوية معنويًا.

فالخصائص التي لطالما اعتُبرت أساس الكتابة الجيدة (مثل الصوت والخصوصية) قد لا تُقدَّر فورًا، لكنها تظل، على الأرجح، ما يمنح النص قيمته على المدى الطويل.

اترك تعليقا

آخر فيديوهات القناة