العرب في بريطانيا | لا تنقلوا الصراعات في أقطارنا إلى شوارع بريطانيا

1447 شعبان 6 | 25 يناير 2026

لا تنقلوا الصراعات في أقطارنا إلى شوارع بريطانيا

لا تنقلوا الصراعات في أقطارنا إلى شوارع بريطانيا
عدنان حميدان January 25, 2026

ليست الحرب حدثًا عابرًا في الجغرافيا،
إنها حالةٌ نفسية، حين لا تُعالَج، تبحث عن شوارع جديدة لتسكنها.
وما جرى مؤخرًا في مانشستر ولندن ليس سوى دليل مؤلم على أن الصراع، إذا لم يُضبط بالوعي، يستطيع أن يعبر الحدود أسرع من البشر أنفسهم.

الاعتداء على إنسانٍ أعزل،
كسر واجهة متجر،
أو بثّ الخوف في قلب امرأة تمشي في شارع آمن،
ليس موقفًا سياسيًا،
ولا احتجاجًا،
ولا انحيازًا لقضية.

إنه لحظة انهيار أخلاقي،
حين يختلط الغضب بالحق،
والألم بالعدالة،
فتضيع القضية، ويبقى العنف وحده شاهدًا.

السياسة حين تفقد أخلاقها تتحوّل إلى فوضى

ما يجري في سوريا صراعٌ مركّب،
سياسة وسلاح،
تاريخ وجغرافيا،
تداخل محلي وإقليمي ودولي.

لكن التعقيد لا يمنح البراءة،
ولا يعطي أحدًا تفويضًا مفتوحًا لنقل المعركة إلى أمكنة لم تخترها.

لندن ليست امتدادًا لساحة قتال،
ومانشستر ليست خط تماس،
وبريطانيا لم تُنشأ لتكون مسرحًا لتصفية الحسابات المؤجَّلة.

ثمّ إنّ حرّيّة الرّأي حقّ،
لكن تحويل الرأي إلى قبضة،
والموقف إلى حجر،
والقضية إلى خوفٍ يُزرَع في الشوارع،
هو سقوطٌ كامل في امتحان الإنسان.

وحدة سوريا وسيادة الدّولة خط أحمر

وسط الضجيج والانقسام هذا، لا بد من قول الحقيقة الجامعة:
سوريا، دولة واحدة، أرضًا وشعبًا وسيادةً، مهما تمزّقت،
تبقى كذلك نعم،
بوحدتها فقط يمكن أن يُصان الإنسان،
وبتفككها لا يولد إلا ظلمٌ جديد.

الوحدة ليست إنكارًا للتنوّع،
وليست شعارًا سياسيًّا،
ولا قمعًا للحقوق،
هي الإطار الوحيد والشّرط الأساسي لأيّ حلّ عادل ومستقرّ،
فلا عدل في الفراغ،
ولا حقوق بلا كيان،
ولا كرامة إنسانية بلا دولة تحميها.

كما أنّ احترام سيادة الدّولة السّوريّة، والحفاظ على وحدة أراضيها، هو الأساس الذي يجب أن يُبنى عليه أيّ مسار سياسيّ، مهما اختلفت الرّؤى حول شكل الحكم أو طبيعة النّظام.

التّأكيد على وحدة سوريا
لا يعني تبرير القهر،
ولا تزيين الاستبداد،
ولا الصمت عن الانتهاكات أو القبول بحرمان لأيّ مكوّن من حقوقه.
فالعدل ببساطة هو شرط البقاء.

ومن يظن أن المظلومية تمنحه رخصة الفوضى،
يُخطئ مرتين:
مرة حين يُسيء للعدالة،
ومرة حين يُشوّه قضيته بيده.

لا دولة بلا عدل،
ولا عدل بلا دولة.

حين تُكسَر نافذة… تُكسَر صورة مجتمع كامل

حين تكسر واجهة متجر،
أو يُعتدى على امرأة عربية في شوارع لندن،
أو يُروّع إنسان في الشارع، لا يقرأ المجتمع البريطاني تفاصيل الصراع،
لا يُدقّق في أسماء الأطراف،
ولا يفرّق بين خطابٍ وخطاب.

هو يرى صورة واحدة فقط:
عنف.

وحين يُختزل المجتمع كله في مشهد واحد،
يدفع الثمن الجميع:
الطفل في مدرسته،
الشاب في عمله،
المؤسسة في علاقتها بالدولة،
والمستقبل في هشاشته.

نحن، شئنا أم أبينا،
نُرى كجسد واحد،
وأي جرح فيه ينزف علينا جميعًا.

قبل السياسة… نحن بشر

قبل الخرائط،
وقبل التحالفات،
وقبل الانقسامات،

هناك قيم لا تفاوض عليها:
أن الدم حرام،
وأن المال حرام،
وأن كرامة الإنسان خطّ لا يُسمح بتجاوزه.

قال رسول الله ﷺ:
«كلّ المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعِرضه».

فكيف يُعاد تعريف الحرام باسم الغضب؟
وكيف تُبرَّر الوحشية بشعار؟
وأي قضيةٍ تلك التي تبدأ بانتهاك إنسان؟

القضية التي لا تحمي الإنسان
ليست قضية،
بل ذريعة.

العرب والأكراد… ذاكرة العيش أعمق من لحظة صراع

العرب والأكراد لم يلتقوا في ساحة حرب فقط،
وإنّما في قرون من الجيرة،
والدين،
والخبز المشترك،
والمصير المتداخل.

قيم احترام المرأة،
وحماية المدني،
وصون الجار،
ورفض الظلم،
لم تولد اليوم،
ولا تُلغى بتبدّل التحالفات،
ولا يمكن أن تلغيها الخلافات.

ومن يخرقها
لا يمثّل شعبًا،
ولا قضية،
ولا مظلومية.

من جاء إلى بريطانيا جاء طلباً للأمان وهربًا من الخوف، لا ليزرعه.

ومن نجا من الحرب،
لا يليق به أن يحملها معه في جيوبه،
ويطلقها في شوارع الناس.

الخلاف السياسي بين قسد والحكومة السورية سيبقى في دمشق،
والنقاش سيطول،
لكن ما يجب أن يبقى ثابتًا كالبوصلة:

وحدة سوريا،
سيادة الدولة،
رفض الظلم،
وقدسية الإنسان.

بهذا فقط
ننجو،
نحمي أبناءنا،
ونُبقي القضايا حيّة،
من دون أن ندفنها تحت ركام العنف،
ونحافظ على صورتنا ووجودنا المشترك في هذا البلد.

 

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا

آخر فيديوهات القناة