التأخير الذي يصنعنا: لماذا لا يكون الوصول المبكر دائمًا نعمة؟
كم مرةٍ وقفتَ عند مفترقٍ صامت، تراقب الآخرين وهم يمضون، وتسمع في داخلك سؤالًا مُلحًّا: لماذا ما زلتُ هنا؟ سؤالٌ لا يجرح بحدّته فقط، بل بثقله أيضًا؛ لأنه يتسلّل في لحظات التعب، ويستيقظ مع المقارنات، ويتغذّى من قصص النجاح السريعة التي تملأ الشاشات. لكن ما نحتاجه اليوم—خصوصًا من تقدّم بنا العمر وواجهنا من الحياة ما يكفي—هو أن نُعيد النظر في معنى “التأخير” نفسه.
لسنا متأخرين بالضرورة حين لا نصل في الوقت الذي وصل فيه غيرنا. أحيانًا نكون ببساطة في طور التهيئة. الحياة ليست خطًّا مستقيمًا، ولا سباقًا بزمن واحد، ولا امتحانًا بسؤال واحد وإجابة واحدة. هي شبكة طرق، لكل طريق إيقاعه، ولكل إنسان ساعته الداخلية التي لا تُضبط على ساعات الآخرين.
نحن نعيش في زمنٍ يُقدّس السرعة، ويكافئ الظهور المبكر، ويُضخّم الإنجاز الخاطف. غير أن السرعة—حين لا تُرافقها الجاهزية—قد تكون عبئًا. كم من حلمٍ تحقّق مبكرًا فانقلب إلى عبءٍ نفسي؟ وكم من منصبٍ جاء قبل نضج صاحبه فصار قيدًا بدل أن يكون فرصة؟ الوصول ليس نهاية الطريق؛ الحفاظ عليه هو التحدّي الحقيقي. والحفاظ لا يكون إلا لمن تدرّب على الصبر، وتعلّم الخسارة، واكتسب مهارة الوقوف بعد السقوط.
التأخير—حين يُفهم على حقيقته—قد يكون مدرسة. مدرسة في التواضع، وفي فهم الذات، وفي ضبط التوقّعات. هو زمن نتعلّم فيه أن نخسر دون أن نتحطّم، وأن نُراجع دون أن نجلد أنفسنا، وأن نُعيد البناء دون ضجيج. في هذا الزمن تتشكّل العضلات الخفية: الصبر، والمرونة، والقدرة على التحمل، والوعي بالحدود. هذه ليست مهارات تُكتسب بالسرعة، بل بالمسافة.
ولأننا لسنا نسخًا متطابقة، فلا ينبغي أن نحاسب أنفسنا بمعايير الآخرين. هناك من يسطع نجمه في العشرينات، وهناك من يجد صوته في الأربعينات، وهناك من يكتشف معناه بعد ذلك. النجاح ليس تاريخ ميلاد، ولا منصّة واحدة، ولا تعريفًا ثابتًا. النجاح—في جوهره—أن تصل وأنت قادر على البقاء، وأن تُمسك بما وصلت إليه دون أن يُفلت منك أول اختبار.
كثيرون من الذين تجاوزوا منتصف العمر يشعرون بثقل “الفرصة التي فاتت”. لكن السؤال الأدق: هل كانت فرصة حقًّا؟ أم كانت تجربة لم تكن جاهزًا لها آنذاك؟ أحيانًا نُنجّي أنفسنا دون أن ندري. أحيانًا يحمي التأخير قلوبنا من كسرٍ كان سيحدث لو وصلنا قبل أواننا. الحكمة ليست في الوصول، بل في الوصول حين نكون مستعدين نفسيًا، لا شكليًا فقط.
في هذا السياق، تصبح المقارنة سمًّا بطيئًا. المقارنة لا تُنصف أحدًا؛ لأنها تقيس مسارين مختلفين بمسطرة واحدة. تقيس ظروفًا غير متشابهة، وخبرات غير متساوية، وقلوبًا لا تعيش الوجع ذاته. وحين نقارن توقيتنا بتوقيت غيرنا، نُحمّل أنفسنا ذنبًا لم نرتكبه. لكلٍّ منا ساعة مختلفة، وطريق مختلف، ونضج مختلف.
ثمّة معنى عميق في أن نصل متأخرين ونحن أقوى. أن نصل ونحن نعرف ماذا نريد، وما الذي لا نريده. أن نصل ونحن أقل اندفاعًا وأكثر وعيًا. أن نصل وقد تعلّمنا كيف نحمي أنفسنا من الانكسار، وكيف نُدير الفرح دون تهوّر. هذا النوع من الوصول قد لا يلمع سريعًا، لكنه يدوم.
وللأكبر سنًّا الذين يواجهون تحديات الحياة—العملية والعائلية والنفسية—ربما يكون الدرس الأهم هو أن التأخير ليس حكمًا بالإدانة، بل فرصة لإعادة التموضع. ما زال في العمر متّسع للتعلّم، وما زال في القلب متّسع للأمل، وما زال في الطريق محطات لم نصلها بعد. ليس مطلوبًا أن نُثبت شيئًا لأحد، بل أن نكون صادقين مع أنفسنا.
حين يأتي وقتك—وسيأتي—ستعرف أن كل ما ظننته تأخيرًا كان تجهيزًا. تجهيزًا لفرحٍ لا يكسرك، ولمسؤولية لا تُنهكك، ولمعنى تستطيع حمله. عندها ستفهم أن الرحلة لم تكن عقوبة، بل تدريبًا. وأنك لم تكن خارج السباق، بل في مسارك الصحيح.
يا صديقي لا تحاسب نفسك بساعة غيرك. احترم توقيتك، وثق بطريقك، واسمح لنفسك أن تنضج على مهل. فليس كل من وصل مبكرًا وصل صحيحًا، وليس كل من تأخر خسر. أحيانًا، التأخير هو الاسم الآخر للحكمة.
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇



