العرب في بريطانيا | حين تكون الهوية جسرًا لا متراسًا: في العام الأم...

1447 رجب 22 | 11 يناير 2026

حين تكون الهوية جسرًا لا متراسًا: في العام الأمازيغي ووحدة الأمة المستهدفة

مقالFHD
عدنان حميدان January 11, 2026

مع دخول عام أمازيغي جديد، السنة 2976 وفق التقويم الأمازيغي، تتجدّد الأسئلة حول الهوية والانتماء، ويطفو على السطح خطابٌ يحاول—عن قصد أو عن سذاجة—إعادة ترتيب علاقتنا بذواتنا وتاريخنا من زاوية الصراع لا الشراكة. وفي لحظة إقليمية بالغة الخطورة، يصبح واجبًا القول بوضوح: الهوية حين تتحوّل إلى متراس، تفقد معناها، وحين تكون جسرًا، تصير رافعة نجاة.

لغة القرآن، والانتماء إلى الأمة العربية الإسلامية، لم يكونا يومًا قيدًا على الأمازيغ، ولا على غيرهم من شعوب هذه الأمة، بل كانا—تاريخيًا—أوسع الأطر التي سمحت لكل المكوّنات أن تخرج من ضيق الجغرافيا إلى سعة الرسالة. كما رفعت العربية العرب، رفعت الأمازيغ والكرد وغيرهم، لا بوصفها لغة عِرق، بل لغة حضارة جامعة، ووعاء معرفة، وأداة تواصل بين شعوب مختلفة توحّدت على مرجعية واحدة.

الأمازيغي الذي كتب بالعربية، وعلّم بها، وقاد بها، لم يكن يتنازل عن جذوره، بل كان يوسّع أفقها. وكذلك الكردي، والقبائلي، وسائر المكوّنات التي صاغت معًا هذا الفضاء الحضاري. لم تُبنَ هذه الأمة على الدم الواحد، بل على القيم المشتركة، وعلى ميزان واضح: التفاضل بالعمل والعلم، لا بالأصل والنسب.

اليوم، تُعاد قراءة التاريخ بعيون معاصرة مأزومة، تُسقط عليه صراعات لم يعرفها، وتُحمّله أوزار مشاريع حديثة. يُراد للعام الأمازيغي—وهو مناسبة ثقافية ذات دلالة تاريخية—أن يتحوّل إلى منصة قطيعة، لا إلى لحظة وعي. ويُراد للغة القرآن أن تُقدَّم كخصم للهويات المحلية، لا كرافعة لها. وهذا كله انزلاق خطير في لحظة لا تحتمل العبث.

ما يغيب عن كثيرين—أو يُتغافل عنه عمدًا—أن الأمة اليوم مستهدفة بما هو أعمق من جدل الهوية. الاستهداف لا يفرّق بين عربي وأمازيغي، ولا بين كردي وقبائلي. هو استهداف شامل لبنية الأمة، وذاكرتها، وقيمها، وقدرتها على البقاء متماسكة. وفي قلب هذا الاستهداف يقف المشروع الصهيوني الإحلالي، الذي لم يقم يومًا على القوة العسكرية وحدها، بل على تفكيك المحيط، وإشعال التناقضات، وتعزيز الهويات المتصارعة.

الصهيونية لا تنتصر حين تفرض واقعًا بالقوة فقط، بل حين تجد حولها محيطًا ممزقًا، منشغلًا بتعريف نفسه ضد نفسه. وكل خطاب يعمّق الشقوق بين مكوّنات الأمة—بغضّ النظر عن نواياه—يصبّ موضوعيًا في خدمة هذا المشروع، ويُسهِم في تهيئة بيئة مثالية لتمدّده واستقراره.

الاحتفاء بالعام الأمازيغي يجب أن يكون احتفاءً بالعمق التاريخي لشمال إفريقيا داخل الأمة، لا إعلان انفصال عنها. مناسبة لتذكير الأجيال بأن التنوّع كان دائمًا مصدر قوة، وأن الوحدة لم تكن نقيض الخصوصية، بل حاضنتها. وأن ما يجمع العرب والأمازيغ والكرد وسائر المكوّنات، أكبر بما لا يُقاس مما يُراد لهم أن يختلفوا حوله.

في هذه اللحظة المفصلية، لسنا بحاجة إلى هويات متقابلة، بل إلى وعيٍ جامع. ولسنا بحاجة إلى إعادة اختراع معارك الماضي، بل إلى إدراك معركة الحاضر. أمةٌ تُستهدف في دينها، وأرضها، وروايتها، لا تملك ترف التنازع الداخلي. وما لم تُقرأ الهوية باعتبارها جسرًا نحو الوحدة، فستُستَخدم—شاء أصحابها أم أبوا—كأداة تفكيك.

هذا هو المعنى الأجدر أن يُستحضَر ونحن نستقبل عامًا أمازيغيًا جديدًا:
أن نحتفي بذاتنا كاملة، لا مجتزأة،
وأن نحمي تنوّعنا داخل وحدتنا،
وأن نُبقي بوصلتنا حيث يجب أن تكون: نحو الخطر الحقيقي، لا نحو بعضنا البعض.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا

آخر فيديوهات القناة