كير ستارمر يراهن بمستقبله السياسي على زيادة دخل الناخبين قبل مايو 2026
يراهن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر على ملف تكاليف المعيشة بوصفه حجر الزاوية في معركته السياسية المقبلة، واضعًا مستقبله القيادي على المحك عبر التعهد بوضع مزيد من المال في جيوب الناخبين قبل حلول أيار/ مايو 2026.
وفي خطوة محسوبة التوقيت، يستعد ستارمر لاستغلال مناسبة تعقد يوم الاثنين بمناسبة مرور 18 شهرًا على توليه رئاسة الحكومة، لتوجيه رسالة طمأنة مزدوجة إلى الرأي العام ونواب حزب العمال مفادها أن حكومته تتحرك فعليًا لمعالجة الضغوط الاقتصادية المتزايدة التي تواجه الأسر البريطانية.
خطط مرتقبة وسط مخاوف من تحدٍ قيادي

ومن المقرر أن يعلن ستارمر الأسبوع المقبل عن حزمة خطط تستهدف مساعدة العائلات على مواجهة تكاليف المعيشة، في محاولة واضحة لتعزيز موقعه داخل الحزب وخارجه، وتأكيد أنه القائد القادر على قيادة الحكومة إلى الاستحقاق الانتخابي المقبل.
وتأتي هذه التحركات في وقت يواجه فيه رئيس الوزراء ضغوطًا سياسية متزايدة، إذ بات على علم بإمكانية تعرضه لتحدٍ على زعامة الحزب عقب انتخابات المجالس المحلية في أيار/ مايو، في حال مُني حزب العمال بنتائج مخيبة.
وفي هذا السياق، يتوقع أن يؤكد ستارمر للبريطانيين، وكذلك لنواب الصفوف الخلفية في حزبه، أن الاستراتيجية الاقتصادية التي تبنتها حكومته بدأت تؤتي ثمارها.
وخلال كلمته المرتقبة في داونينغ ستريت، سيعدد رئيس الوزراء ما يعتبره إنجازات تحققت خلال الأشهر الماضية، من بينها تنفيذ ستة تخفيضات في أسعار الفائدة، وبدء تراجع معدلات التضخم، وتجميد أسعار تذاكر القطارات ورسوم الوصفات الطبية، إلى جانب تقديم دعم مباشر لفواتير الطاقة.
كما سيشير إلى رفع الحد الأدنى الوطني للأجور المعيشية، وإطلاق نوادٍ مجانية للإفطار تستهدف الأسر التي تعاني ضغوطًا مالية متزايدة.
وبالتوازي مع رسالته بمناسبة العام الجديد، من المتوقع أن يؤكد ستارمر أن الأشهر القليلة المقبلة ستحمل نتائج ملموسة يشعر بها المواطنون على أرض الواقع.
وتشمل هذه النتائج، بحسب ما سيعلنه، زيادة عدد أفراد الشرطة في الشوارع بحلول شهر آذار/ مارس، إضافة إلى خفض متوقع في فواتير الطاقة، وارتفاع عدد المراكز الصحية الجديدة التي ستدخل الخدمة في نيسان/ أبريل، في إطار مساعٍ لتحسين الخدمات الأساسية وتعزيز الثقة في الأداء الحكومي.
فواتير الطاقة وقلق داونينغ ستريت قبل الانتخابات

وتأتي هذه التصريحات قبل الكشف المرتقب عن خطة «المنازل الدافئة» التي سيعرضها وزير الطاقة إد ميليباند، والتي من المنتظر أن يعيد فيها التأكيد على التزام الحكومة بخفض فواتير الأسر.
ووفقًا لما تفهمه صحيفة «آي بيبر»، فإن هناك قلقًا بالغًا داخل مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت (رقم 10) إزاء توقعات أشارت إلى أن فواتير الطاقة كانت مرشحة للارتفاع بنحو 100 باوند شهريًا اعتبارًا من نيسان/ أبريل، أي قبل أسابيع قليلة من سلسلة انتخابات توصف بالحاسمة سياسيًا.
هذا السيناريو دفع رئيس الوزراء ووزيرة الخزانة راشيل ريفز إلى الإعلان، ضمن بنود الموازنة، عن خطط لإلغاء برنامج عزل المنازل، وإزالة بعض الرسوم الخضراء، في محاولة لخفض ما يقرب من 150 باوندًا من فواتير المواطنين.
ومن المتوقع أن يذهب إد ميليباند إلى أبعد من ذلك، عبر طرح إجراءات إضافية تستهدف خفض تكلفة الكهرباء، التي تُعد حاليًا أعلى بنحو أربعة أضعاف مقارنة بتكلفة الغاز.
انشغال خارجي وضغوط داخلية متصاعدة

ويرى مراقبون أن تركيز ستارمر على ملف تكاليف المعيشة في أول تدخل سياسي كبير له مع بداية العام الجديد يعكس اعترافًا ضمنيًا بأن جزءًا كبيرًا من عامه الأول ونصف العام في رئاسة الحكومة انشغل بقضايا السياسة الخارجية.
فقد واجهت حكومته ملفات دولية معقدة، من بينها بداية الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب وما صاحبها من نظام للرسوم الجمركية، واستمرار الحرب في أوكرانيا وتشكيل ما يعرف بـ«تحالف الراغبين» في مواجهة التهديد الروسي المتصاعد، إضافة إلى محادثات السلام الرامية إلى إنهاء العدوان على غزة.
وأعرب عدد من نواب حزب العمال عن مخاوفهم من أن انخراط رئيس الوزراء المكثف على الساحة الدولية ترك لدى شريحة من الناخبين انطباعًا بأنه يهمل القضايا الداخلية.
ويُعتقد أن هذا الانطباع أسهم في تنامي شعبية حزب «ريفورم يو كيه» بقيادة نايجل فاراج، بل وسمح للمحافظين، بقيادة كيمي بادينوخ، بتجاوز حزب العمال في بعض استطلاعات الرأي.
وفي هذا الإطار، اعتُبر لافتًا أن تركز رسالة ستارمر بمناسبة العام الجديد حصريًا على الشأن الداخلي وتكاليف المعيشة، بما في ذلك إقراره الصريح بأن الأوضاع كانت «صعبة في بريطانيا لفترة من الوقت»، مع تأكيده في الوقت ذاته عزمه «التمسك بالمسار» الذي رسمه برنامجه الحكومي.
مساعٍ لاحتواء التململ الحزبي وسط تحديات داخلية وخارجية متصاعدة

وعلى الصعيد الحزبي الداخلي، يسعى ستارمر إلى احتواء حالة التململ بين نواب الصفوف الخلفية، إذ من المقرر أن يستضيف عددًا من نواب حزب العمال في سلسلة من حفلات الاستقبال في مقر إقامته الريفي «تشيكرز» خلال الأسابيع المقبلة.
ووفقًا لما نقلته «آي بيبر»، ستُعقد هذه اللقاءات في عطلات نهاية الأسبوع، مع توجيه الدعوة أيضًا إلى «مرافقين»، في إشارة إلى تصعيد ما وُصف بسياسة «قصف الحب» لكسب دعم النواب المترددين.
ورغم هذه التحركات، لا يزال رئيس الوزراء يواجه أشهرًا صعبة، تشمل إصلاحات معقدة تتعلق بخدمات التعليم الخاص وذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة (SEND)، إلى جانب معضلة المضي قدمًا في إصلاحات إضافية لنظام الرعاية الاجتماعية.
كما أن القضايا الدولية مرشحة للاستمرار في عام 2026، في ظل تعثر محادثات السلام بشأن أوكرانيا، وتخطيط ستارمر لنشر قوات حفظ سلام بريطانية في المنطقة بموجب اتفاق محتمل.
ترحيب مشروط داخل حزب العمال وتحذيرات من تحديات مجتمعية متراكمة

وفي ردود الفعل داخل حزب العمال، رحبت النائبة رايتشل ماسكيل بتركيز رئيس الوزراء على ضغوط تكاليف المعيشة، معتبرة أن زيادة الحد الأدنى الوطني للأجور المعيشية بمقدار 900 باوند، والالتزام بتوصيات هيئات مراجعة الأجور، من شأنهما وضع مزيدًا من المال في رواتب العاملين.
كما أشارت إلى أن إلغاء حد الطفلين، وتقديم دعم بقيمة 150 باوندًا لفواتير الطاقة، إلى جانب تجميد أسعار تذاكر القطارات والحافلات، ستوفر متنفسًا مهمًا للأسر.
إلا أنها حذرت في الوقت نفسه من أن التحديات التي تواجه المجتمعات المحلية بعد عقد من الإهمال ما زالت كبيرة، في ظل تزايد الطلب على الإسكان ورعاية البالغين الاجتماعية، واستمرار معاناة الخدمات العامة، ومواجهة الشركات لتحديات غير مسبوقة مع إدخال معدلات أعمال جديدة.
وشددت ماسكيل على أن ضبط الأولويات يتطلب من الحكومة تعزيز التواصل مع نواب الصفوف الخلفية الذين يمثلون احتياجات مجتمعاتهم، لفهم مكامن الضغوط والحلول الممكنة، مع ضرورة التريث قبل طرح سياسات مثيرة للجدل مثل إنهاء المحاكمة أمام هيئة المحلفين وبطاقات الهوية.
المصدر: ميرور
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇