من ترامب إلى نتنياهو: هل يكون 2026 عام المحاسبة السياسية؟
سيفعل هؤلاء القادة كل ما يستطيعون لتجنّب دفع ثمن ما ألحقوه من أذى، لكن التجربة تقول إن الحساب، مهما تأخر، لا يختفي.
كلماتي ليست تعهّدًا مع مطلع عام جديد، ولا محاولة للتنبؤ بما سيأتي. هي أقرب إلى أمنية ثقيلة، أو رجاء صريح لما تحمله الشهور المقبلة. لعلّ عام 2026 يكون اللحظة التي يُسأل فيها أولئك الذين ألحقوا أضرارًا جسيمة ببلدانهم وبالعالم من حولهم عمّا فعلوا. لعلّه يكون عام المحاسبة.
البداية مع الرجل الأوسع نفوذًا، بحكم ما يملكه من سلطة هائلة. فوفق طبيعة النظام الانتخابي الأميركي، سيواجه دونالد ترامب، العائد إلى الحكم قبل أقل من عام، اختبار الناخبين بعد عشرة أشهر. قد لا يظهر اسمه مباشرة على ورقة الاقتراع، لكن انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر ستكون، عمليًا، حكمًا على ولايته الثانية.
هزيمة حزبه في الكونغرس ستكون مرضية بحد ذاتها، لأنها تصيب غروره في مقتل، لكنها تحمل أيضًا أثرًا عمليًا واضحًا. فخسارة الجمهوريين لمجلس الشيوخ تبقى احتمالًا ضعيفًا، إذ يتطلب الأمر قلب أربع مقاعد على الأقل، وهو ما تصعّبه الجغرافيا الانتخابية للمقاعد المطروحة هذا العام. لكن من المنطقي، في الظروف السياسية المعتادة، توقّع انتقال مجلس النواب إلى يد خصوم ترامب خلال عام.
مثل هذا التحول كفيل بتبديد الهالة التي أحاطت بترامب منذ فوزه على كامالا هاريس، تلك الهالة التي سمحت له بليّ ذراع مؤسسات أميركية عديدة، من بينها وسائل إعلام كبرى، ودفعها إلى منحه نفوذًا يتجاوز ما يمنحه له النظام. كما سيجعله رئيسًا محدود الحركة، عاجزًا عن تمرير تشريعات جديدة في مواجهة مجلس معارض.
الأهم من ذلك أن مجلس نواب ديمقراطيًا سيضع ترامب أخيرًا أمام مؤسسة راغبة وقادرة على محاسبته. فصلاحيات الاستدعاء ستفتح الباب لتحقيقات جدية، تبدأ من كلفة الرسوم الجمركية على دافعي الضرائب، ولا تنتهي عند أنماط الفساد وتضارب المصالح التي وسمت هذه الإدارة. وسيظل احتمال محاكمة عزل جديدة حاضرًا في الخلفية.
لهذا السبب، سيبذل ترامب كل ما في وسعه لتفادي هذا السيناريو. ومن هنا الحديث عن «الظروف الطبيعية». فهو لن يتردد في كسر القواعد إن اقتضى الأمر للحفاظ على سيطرته على مجلس النواب، سواء عبر إعادة رسم الدوائر الانتخابية على نحو يخدمه، أو عبر تعقيد إجراءات التصويت في مناطق بعينها.
ومع ذلك، بدأت بعض المؤسسات تبدي مقاومة، كما ظهر في قرار المحكمة العليا الأخير الذي قيّد نشر القوات الأميركية في شوارع مدن يديرها الديمقراطيون. غير أن هذه المواجهة ستكون إحدى معارك عام 2026، فيما يحاول الرئيس تأجيل لحظة المساءلة قدر الإمكان.
وفي هذا السلوك، لا يبدو ترامب استثناءً. فثمة تشابه واضح بينه وبين بنيامين نتنياهو، الذي استضافه هذا الأسبوع في مارالاغو، في سادس وآخر لقاء بينهما خلال عام 2025. غير أن الخطر الذي يواجه نتنياهو أكثر مباشرة، إذ من المرجّح أن يتوجّه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع في وقت ما بين الآن وأكتوبر، في انتخابات قد تنهي وجوده في الحكم.
ستكون المحاسبة في صلب هذا الاستحقاق. فالعالم الخارجي يريد محاسبته على الدمار الذي خلّفه في غزة، وعلى مقتل عشرات الآلاف، وعلى منع المساعدات الإنسانية. لكن داخل إسرائيل، ينصبّ الغضب أساسًا على إخفاقات السابع من أكتوبر 2023، حين أدّت الثقة الزائدة وسوء التقدير إلى ترك بلدات جنوبية كاملة، ومئات الشبان في مهرجان موسيقي، مكشوفين أمام هجوم دموي.
دفع كثير من المسؤولين الإسرائيليين ثمن تلك الكارثة بمناصبهم، باستثناء شخص واحد. وحده نتنياهو لم يعترف بأي مسؤولية، ولم يعتذر عن وقوع أكثر الأيام دموية في تاريخ البلاد خلال فترة حكمه. كما رفض تشكيل لجنة تحقيق مستقلة، مفضّلًا تحقيقًا شكليًا يديره مقرّبون منه، في مشهد شبّهه والد أحد الرهائن القتلى بمحاولة سؤال جبل الجليد عمّن أغرق السفينة تايتانيك. وهكذا، تبقى صناديق الاقتراع الفرصة الوحيدة لمحاسبة رجل حكم إسرائيل 18 عامًا من أصل ثلاثين.
ولا تقف المخاوف عند هذا الحد. فبالنسبة لكثير من الإسرائيليين، قد تكون هذه الانتخابات الفرصة الأخيرة لإنقاذ مؤسسات ديمقراطية تعرّضت لضغوط متواصلة. وكما فعل ترامب في الولايات المتحدة، أو فيكتور أوربان في المجر، خاض نتنياهو صراعًا طويلًا مع القضاء والإعلام المستقل، ساعيًا إلى إخضاعهما. وبقاؤه في السلطة، في ظل محاكمته بتهم فساد، ليس مسألة نفوذ فحسب، بل مسألة بقاء شخصي.
وليس نتنياهو وحده من يخشى غضب شعبه. ففي إيران، حاول الناس مرارًا التعبير عن سخطهم من نظام يحكم منذ عقود، وقوبلوا في كل مرة بالقمع. وقد عادت الاحتجاجات للظهور مؤخرًا، مع لجوء السلطات إلى العنف بوتيرة أسرع، رغم مؤشرات على تردّد بعض عناصر الأجهزة الأمنية. وكما يقول الباحث علي أنصاري، لا يمكن تأجيل لحظة الانفجار إلى ما لا نهاية.
سواء في الشوارع أو عند صناديق الاقتراع، قد يحمل عام 2026 بوادر مساءلة. وفي بريطانيا نفسها، تستعد حكومة حزب العمال لخسائر محتملة، في وقت يوسّع فيه حزب ريفورم حضوره. وفي عالم أكثر عدلًا، كان ينبغي أن يواجه نايجل فاراج هو الآخر حسابًا سياسيًا، لا على ماضيه فقط، بل على دوره في الترويج لبريكست، القرار الذي ما زالت كلفته تتكشف بعد عقد كامل.
قد لا يكون 2026 عام محاسبة الجميع. لكن التجربة تقول إن الإفلات من الحساب لا يدوم إلى الأبد. عاجلًا أم آجلًا، سيُسأل ترامب ونتنياهو وغيرهما عمّا صنعوه. ولعلّ هذا العام يكون بداية ذلك المسار.
المصدر: الغارديان
الرابط المختصر هنا ⬇
