العرب في بريطانيا | 2026… بداية سنة جديدة

1447 رجب 25 | 14 يناير 2026

2026… بداية سنة جديدة

مقالArtboard-2-copy-4_2 (18)

ونحن نستقبل عام 2026، لا تأتي هذه البداية من فراغ، بل تحلّ في ظلّ واقعٍ عربيٍّ وإسلاميٍّ مثقَل بالجراح والتحدّيات التي أنهكت القويّ والضعيف على حدّ سواء. فما تزال جراح الأمّة تنزف في فلسطين، حيث يطول الألم ويستمرّ الانتظار، وفي السودان الذي أنهكته الصراعات، فيما يشتدّ كيد المتربّصين بسوريا، وتواجه كلٌّ من اليمن والصومال نزاعات التفكّك والانفصال.
هذا الواقع القاسي يفرض نفسه على وجداننا، ويجعل من مطلع عام 2026 لحظة تأمّل أعمق، لا تقتصر على الأمنيات الشخصية، بل تمتدّ إلى هموم الأمّة وآمالها في الخلاص والوحدة والعدل.

وعلى المستوى الشخصي، يعيش كثيرون منّا هذه المرحلة وهم محاطون بالقلق والتساؤلات، يتأرجحون بين أحلامٍ يسعون لتحقيقها وواقعٍ عامٍّ يثقل النفوس. غير أنّ استقبال عام جديد يمكن أن يشكّل دافعًا لموازنة الطموح الفردي مع الإحساس بالمسؤولية الجماعية، إذ لا ينفصل النجاح الشخصي عن الوعي بما يدور حولنا. ولعلّ أقلّ ما يمكن أن نبدأ به هو التمسّك بالقيم، والدعاء، والعمل على بناء ذواتنا علميًا وأخلاقيًا، إيمانًا بأنّ إصلاح الفرد هو الخطوة الأولى في طريق إصلاح المجتمع، وبأنّ الأمل — مهما بدا ضعيفًا — يظلّ أقوى من اليأس.

تأتي بداية السنة الجديدة كصفحة بيضاء في كتاب الحياة، صفحة تحمل في طيّاتها الأمل والتجدّد والتطلّع إلى مستقبل أفضل. فهي محطة يتوقّف عندها الإنسان ليتأمّل ما مضى، ويعيد ترتيب أفكاره، ويضع أهدافه، ويجدّد عزيمته على التغيير نحو الأفضل.
ومع دقّات الساعة الأولى التي تعلن قدوم العام الجديد، تتجدّد في القلوب مشاعر التفاؤل، ويتولّد إحساس داخلي بأنّ الفرصة ما زالت قائمة، وأنّ الغد قد يكون أجمل، وأنّ الحروب التي أنهكت قلوبنا وبلادنا إلى زوال، مهما طال أمدها.

وتُعدّ بداية السنة الجديدة فرصة ثمينة لمراجعة الذات، فالإنسان بطبيعته يخطئ ويصيب، ينجح أحيانًا ويتعثّر أحيانًا أخرى. وعند نهاية كلّ عام، يقف كثيرون وقفة صادقة مع أنفسهم، يسترجعون الذكريات، ويتأمّلون التجارب التي مرّوا بها، سواء كانت سعيدة أم مؤلمة. هذه المراجعة لا تهدف إلى الندم على ما فات، بقدر ما تهدف إلى التعلّم من الأخطاء، والبناء على النجاحات، واستخلاص الدروس التي تساعد على اتخاذ قرارات أفضل في المستقبل.

كما تمثّل السنة الجديدة رمزًا متجدّدًا للأمل؛ فمهما اشتدّت صعوبات العام الماضي، يمنح قدوم عام جديد الإنسان شعورًا بالراحة النفسية، وكأنّ الزمن يتيح له فرصة أخرى للبداية. فكم من شخص لم يوفَّق في تحقيق أهدافه في عام مضى، لكنه مع بداية عام جديد يستعيد حماسه، ويضع خططًا أكثر واقعية، ويبدأ بخطوات ثابتة نحو أحلامه. فالأمل هو القوّة التي تدفع الإنسان للاستمرار، وبداية السنة الجديدة هي الشرارة التي توقظه في النفوس.

ومن العادات الشائعة مع مطلع العام الجديد وضع الأهداف والخطط، حيث يسعى كثيرون إلى تحديد ما يرغبون في تحقيقه، سواء على الصعيد الدراسي أو العملي أو الشخصي. فالبعض يطمح إلى التفوّق في دراسته، وآخرون يسعون إلى تطوير مهاراتهم، أو تحسين علاقاتهم الاجتماعية، أو الاهتمام بصحتهم ولياقتهم البدنية. وتكمن أهمية هذه الأهداف في أنّها تمنح الإنسان اتجاهًا واضحًا، وتشعره بأنّ لحياته معنى وغاية يسعى إليها.

غير أنّ من الضروري أن تكون هذه الأهداف واقعية وقابلة للتنفيذ، لأنّ المبالغة في الطموحات من دون تخطيط سليم قد تؤدّي إلى الإحباط. فبداية السنة الجديدة لا تعني الحلم وحده، بل تتطلّب العمل والاجتهاد والصبر. فالأحلام لا تتحقّق بالتمنّي، بل تحتاج إلى إرادة قويّة، وتنظيم للوقت، ومثابرة في مواجهة الصعوبات. ومن هنا تتجلّى قيمة الانضباط والالتزام في تحويل الأهداف إلى إنجازات حقيقية.

ولا تقتصر أهمية بداية السنة الجديدة على الفرد فحسب، بل تشمل المجتمع بأسره؛ إذ تمثّل مناسبة لتعزيز القيم الإيجابية كالتعاون، والتسامح، والعطاء. ففي هذه الفترة، تكثر المبادرات الخيرية، وتنتشر رسائل التهنئة التي تحمل معاني المحبة والسلام، كما يسعى الناس إلى فتح صفحات جديدة مع الآخرين، متجاوزين الخلافات القديمة، إيمانًا بأنّ الحياة أقصر من أن تُقضى في الخصام. وهكذا تسهم بداية العام الجديد في تقوية الروابط الاجتماعية ونشر روح التفاؤل.

ومن الجوانب المهمة أيضًا الاهتمام بتغيير السلوك والعادات. فكثيرون يستغلّون هذه المناسبة للتخلّص من عادات سلبية كالكسل والتسويف، واستبدالها بعادات نافعة مثل تنظيم الوقت، والقراءة، وممارسة الرياضة. فالتغيير لا يحدث دفعة واحدة، لكنه يبدأ بخطوة صغيرة، وبداية السنة الجديدة تمثّل اللحظة المناسبة لاتخاذ هذه الخطوة.

كما تذكّرنا السنة الجديدة بقيمة الوقت، فالزمن يمضي سريعًا، والأيام لا تعود. ولذلك يدفعنا استقبال عام جديد إلى التفكير في كيفية استثمار الوقت على نحو أفضل، واستغلال كلّ يوم فيما ينفعنا وينفع غيرنا. فالنجاح لا يُقاس بعدد السنوات، بل بما يقدّمه الإنسان خلالها من أثر طيّب وعمل نافع.

وفي الختام، يمكن القول إنّ بداية السنة الجديدة ليست مجرّد تاريخ في التقويم، بل رسالة أمل، ودعوة للتغيير، وفرصة حقيقية للتجدّد. إنها لحظة يتجدّد فيها الإيمان بالذات، وتُبعث فيها الأحلام من جديد، ويُفتح فيها باب واسع نحو مستقبل أفضل. فإذا أحسن الإنسان استقبال هذه البداية، واستثمرها بالتخطيط والعمل والإيجابية، كان العام الجديد خطوة حقيقية نحو تحقيق الطموحات وبناء حياة مليئة بالرضا والنجاح.

أمّا في ختام هذا المقال، فلا يسعنا إلا التمسّك بالأمل، وأن نرجو ألّا تخيّب الشعوب العربية ولا الدول العربية آمال أبنائها في هذه السنة أيضًا. فالأمّة التي تمتلك هذا التاريخ العريق والإرث الحضاري والثقافي الغني قادرة على النهوض متى توفّرت الإرادة الصادقة والعزيمة الحقيقية. ونأمل أن تكون هذه السنة نقطة تحوّل إيجابية، وسنة انطلاقة جديدة تعيد الاعتبار لمعنى العروبة، لا كشعار يُرفع، بل كقيمة راسخة تقوم على الوحدة والتضامن والتكامل.

فالعروبة لا تُبنى بالكلمات وحدها، بل بالعمل المشترك، واحترام الاختلاف، والإيمان بأنّ المصير واحد مهما تباينت الظروف. ولعلّ هذه المرحلة تشكّل فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وتغليب مصلحة الشعوب، وبناء جسور الثقة بين الدول العربية، بما يفتح آفاقًا أوسع للتعاون والتقدّم. فالأمل ما زال قائمًا، والمسؤولية مشتركة، ويبقى الرهان على وعي الشعوب وحكمة القيادات في جعل هذا العام بداية لمسار عربيٍّ أكثر تماسكًا وقوّة، يلبّي تطلعات الحاضر ويحفظ حقّ المستقبل.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا

التعليقات

آخر فيديوهات القناة