أمسية العرب في بريطانيا تتألق بإبداع إنساني وحضور بارز للمرأة وفلسطين
تشرفتُ الليلة الماضية بحضور هذه الأمسية المميّزة التي نظّمتها منصّة العرب في بريطانيا، وكانت واحدة من أجمل الفعاليات التي جمعت بين الثقافة والفن والعمل الخيري في مشهد واحد نابض بالحياة. لم يكن ذلك مجرد حفل اعتيادي، بل كان مساحة واسعة تلتقي فيها القصص الملهمة، وتُروى من جديد على ألسنة أصحابها، وتُعرض عبر إنجازاتهم، فتمنح الحضور شعورًا عميقًا بالفخر والانتماء.
منذ اللحظات الأولى، بدا واضحًا أن الأمسية صُمّمت لتكون أكثر من مناسبة، لتصبح حالة فريدة من التلاقي الإنساني.
كان الحفل مزيجًا متناغمًا من الطاقات الإبداعية؛ مزيجًا يضم شخصيات لامعة في المجالات العلمية والفنية والرياضية والإعلامية، إضافة إلى شخصيات فاعلة في الحياة المجتمعية. وقد شكّل وجود هذا التنوع لوحةً زاهية الألوان، لوحةً جمعت كل الألوان دون أن تدمجها، فبرز جمال كل لون وبريقه الخاص.

كانت الأمسية منصّةً لكل مبدع ومؤثر،
ومنصّةً لكل الجنسيات،
ومنصّةً لكل الأيديولوجيات،
ومنصّةً لكل الكفاءات.
وبحق… كانت “منصّةً لكل العرب”.
لم يكن المشهد احتفاليًا فقط، بل كان رسالة عميقة: أن الإبداع لا يعترف بخلفية أو بحدود، وأن الطاقات العربية في بريطانيا تنضج كل يوم وتقدّم نماذج غير مسبوقة في النجاح والتميز. وقد سرّني للغاية أن أشاهد مجموعة من السيدات العربيات الرائدات يتسلّمن جوائز التكريم عن استحقاق.
هؤلاء السيدات جسّدن في حضورهنّ صورة المرأة العربية القوية التي تجمع بين مسؤولياتها الأسرية والمهنية، وتواصل مسيرتها دون أن تنسى الاعتراف بالداعمين لها، وعلى رأسهم الرجل الشريك في رحلة النجاح.
إن رؤية تلك النماذج النسائية البارزة كانت مصدر فخر وإلهام، وأثبتت مرة أخرى أن المرأة العربية قادرة على اقتحام كل المجالات، منافسة بثقة، ومبدعة بلا حدود.
شاركتُ خلال الأمسية في لجنة تحكيم مسابقة “شخصية العام المميزة” مع نخبة من الشخصيات المؤثرة. وقد كانت تلك التجربة فرصة ثرية للاطلاع على السير الذاتية لعدد كبير من المرشحين؛ بعضهم نعرفهم من قبل، وبعضهم كانت إنجازاتهم اكتشافًا جديدًا يبعث على السرور والإعجاب.
ومع كل سيرة نقرأها، كان الشعور بالفخر يتزايد…
فكم لدينا – نحن العرب في بريطانيا – من الطاقات التي تعمل بصمت، وتبدع دون ضجيج، وتمنح من وقتها وجهدها الكثير لخدمة المجتمع من حولها، رغم انشغالات الحياة وضغوط الغربة.
لقد تأكّد لي مجددًا أن مجتمعاتنا العربية ولّادة بالمواهب، وأن ما وصلنا من ترشيحات ليس إلا جزءًا يسيرًا من الطاقات الحقيقية الموجودة على أرض الواقع. فخلف كل اسم متقدّم للجائزة، هناك عشرات من القصص التي تستحق أن تُروى، وعشرات من الأشخاص الذين يستحقون التكريم ولا يسعون إليه.
إن جائزة الشخصية المميزة ليست مجرد لقب، بل هي تقدير لكل من بذل جهده ووقته، وسخّر علمه وخبرته لخدمة المجتمع العربي في بريطانيا، والإنسانية بصورة أشمل.

إلى كل سيدة وكل رجل توقّف قليلاً وسط زحام الحياة، وقرر أن يقدّم شيئًا ذا أثر، ولو كان بسيطًا:
أقول لكِ سيدتي، ولك سيدي…
أنتما تستحقان بجدارة أن تكونا “شخصية العام” كل عام.
أما الحضور الأهم والأكثر تأثيرًا في الأمسية، فقد كان حضور فلسطين…
كانت جزءًا من كل كلمة، ومن كل أداء فني، ومن كل قصة مؤثرة رواها أصحابها. ظهرت فلسطين في لوحات المشاركين، في رسائل المتحدثين، وفي البرامج الخيرية المرافقة، وكأن الجميع اتفقوا – دون تنسيق – على أن تبقى فلسطين في مقدمة الوعي العربي مهما تغيّرت الظروف.
كان الحديث عنها صادقًا، نابضًا بالعاطفة والالتزام، يحمل رسالة واحدة:
أن الوقوف مع الحق الفلسطيني ليس موقفًا سياسيًا فحسب، بل هو موقف أخلاقي وإنساني.
وكما نقول دائمًا:
من يقف مع الحق الفلسطيني يقف الله معه،
ومن يمنح فلسطين جزءًا من وقته، تمنحه فلسطين رفعةً وقدرًا مميزًا.
لقد غادرت الأمسية وأنا أحمل شعورًا كبيرًا بالاعتزاز. اعتزاز بمن حضر، وبمن كُرّم، وبمن نظّم، وبمن ساهم في تحويل ليلة عادية إلى حدث استثنائي يليق بالعرب في بريطانيا، ويليق بصورة الإبداع الذي نحمله أينما ذهبنا.
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇
