العرب في بريطانيا | بي بي سي: قادة القوات الخاصة البريطانية متورطون...

1447 رمضان 13 | 02 مارس 2026

بي بي سي: قادة القوات الخاصة البريطانية متورطون في إخفاء أدلة جرائم حرب في أفغانستان

بي بي سي: قادة القوات الخاصة البريطانية متورطون في إخفاء أدلة جرائم حرب في أفغانستان
اية محمد December 2, 2025

كشفت شهادة ضابط سابق رفيع في القوات الخاصة البريطانية، قُدمت ضمن جلسات مغلقة لتحقيق عام مستقل بشأن أفغانستان، عن اتهامات مباشرة لاثنين من المديرين السابقين للقوات الخاصة بالتورط في قمع وإخفاء أدلة “هامة” تتعلق بجرائم حرب محتملة نفذتها وحدة القوات الجوية الخاصة (SAS)، مع الإخفاق في إحالة هذه الادعاءات إلى الشرطة العسكرية الملكية رغم ما يفرضه القانون البريطاني على القادة العسكريين.

الضابط، المعروف في التحقيق بالرمز N1466، يُعد أعلى مسؤول سابق في القوات الخاصة يصرّح بأن أدلة على “سلوك إجرامي” و”جرائم حرب” جرى كبحها من داخل القيادة، مؤكدًا أن المعرفة بالمشكلة لم تقتصر على قائد واحد، بل امتدت عبر أكثر من إدارة متعاقبة.

شهادة “الأدلة الهامة”: بلاغ مبكر منذ 2011

بحسب إفادة N1466 المنشورة ضمن مواد التحقيق يوم الاثنين، قال إنه نقل عام 2011 إلى مدير القوات الخاصة آنذاك ما وصفه بـ”الأدلة الهامة”، وهي مواد—وفق شهادته—تشير إلى احتمال وجود سلوك إجرامي في عمليات نفذتها الـSAS في أفغانستان.

ويؤكد الضابط أنه لم يقدم مجرد انطباعات عامة، بل سلّم قيادة القوات الخاصة مراجعة رسمية لعمليات حديثة، ولفت صراحة إلى احتمال وقوع جرائم خطيرة تستدعي الإبلاغ والتحقيق.

مؤشرات مقلقة: أعداد قتلى “غير معتادة” وأسلحة “غير كافية”

يرجع N1466 بداية شكوكه إلى فبراير/شباط 2011، حين لاحظ—وفق قوله—أن التقارير العملياتية الواردة من أفغانستان تُظهر أن الـSAS تقتل أشخاصًا في ظروف مشبوهة وبأعداد مرتفعة على نحو غير معتاد، مع وجود عدد قليل جدًا من أسلحة “العدو” المستعادة في بعض العمليات، بما لا يتناسب مع حجم القتلى المسجلين.

ومن بين الحوادث التي أثارت القلق لديه مداهمة ليلية قُتل فيها تسعة رجال أفغان، فيما زُعم العثور على ثلاثة أسلحة فقط. لاحقًا، زار فريق برنامج BBC Panorama موقع المداهمة عام 2022، ووجد ثقوبًا للرصاص داخل غرفة القتلى متجمعة قرب مستوى الأرض، وهو ما دفع خبراء أسلحة للقول إن النمط قد ينسجم مع فرضية إطلاق النار على الضحايا وهم مستلقون، وأن رواية الاشتباك كما وردت في تقارير الـSAS تبدو غير مرجحة. وأكدت العائلة أن القتلى مدنيون وأن المنزل لم يكن يحوي أسلحة.

“لن أُجمل الأمر”: اتهام صريح بجرائم حرب

إلى جانب التقارير، قال N1466 إنه اطّلع على شهادة مُبلّغين تفيد بأن جنودًا من الـSAS سُمِعوا خلال دورة تدريبية وهم يتفاخرون بقتل جميع الذكور “في سن القتال” أثناء العمليات، بغض النظر عما إذا كانوا يشكلون تهديدًا.

وبجمع هذه المعلومات، خلص الضابط إلى أنه بات “مضطربًا بعمق” مما اشتبه أنه قتل غير قانوني لأبرياء، بمن فيهم أطفال، وقال بلهجة حاسمة في شهادته: “نحن نتحدث عن جرائم حرب”.

مراجعة داخلية بدلاً من الشرطة العسكرية: “تغطية وتمويه”

يقول N1466 إنه في أبريل/نيسان 2011 كلّف ضابطًا آخر في مقر القوات الخاصة بإجراء مراجعة لسلسلة عمليات حديثة، وجاءت نتيجتها—بحسب وصفه—“سيئة بشكل صادم” بالنسبة للـSAS.

وعندما قدّم هذه النتائج ضمن ملفه إلى مدير القوات الخاصة في 2011، أكد أنه أبلغه بوضوح بوجود “احتمال قوي لوقوع سلوك إجرامي”. إلا أن ما حدث لاحقًا، وفق شهادة N1466، لم يكن إحالة للشرطة العسكرية، بل أمرٌ بإجراء مراجعة داخلية لتكتيكات السرب.

ووصف N1466 هذه الخطوة بأنها كانت بمثابة “طلقة تحذيرية” للسرب كي يخفف العنف، معتبرًا أن المدير اتخذ “قرارًا واعيًا” بقمع الأمر عبر “تمرين شكلي” يمنح انطباعًا زائفًا باتخاذ إجراء.

ويضيف أن مراجعة “التكتيكات والتقنيات والإجراءات” أدارها ضابط من الـSAS زار أفغانستان لكنه تحدث فقط إلى عناصر من الفوج، وأن التقرير النهائي قبِل بالكامل روايات المشتبه في تورطهم.

مسؤولية قانونية لم تُنفذ: عدم إحالة الادعاءات للشرطة العسكرية

بحسب ما أكده N1466 للتحقيق، فإن أيًا من المديرين الاثنين لم يُحِل ادعاءات جرائم الحرب المشتبه بها إلى الشرطة العسكرية الملكية (RMP)، رغم أن القانون البريطاني—وفق ما ذُكر في المواد المنشورة—يُلزم القادة بإبلاغ الشرطة العسكرية عند وجود احتمال بأن شخصًا تحت قيادتهم ارتكب جريمة جنائية خطيرة.

وفي هذا السياق، قال Bruce Houlder KC (مدير سابق لنيابات الخدمات العسكرية والمسؤول سابقًا عن توجيه الاتهامات ومقاضاة العسكريين) إن الواجب القانوني “واضح جدًا” على القادة للإبلاغ عن الجرائم المشتبه بها، بما فيها القتل. وأضاف أنه لو وصل إليه مثل هذا الملف لطلب التحقيق مع مدير القوات الخاصة بسبب الإخفاق في الإبلاغ عام 2011.

مدير 2012 “كان يعلم بوجود مشكلة” وفق الشهادة… والرد ينفي

قال N1466 إن المدير الذي تولى المنصب في 2012 “كان يعلم بوضوح أن هناك مشكلة في أفغانستان” ولم يتحرك. وتفرض قيود النشر في التحقيق عدم تسمية المديرين المتهمين ضمن الإفادات المنشورة، إلا أن مواد التحقيق تشير إلى أن مدير القوات الخاصة في 2012 كان General Sir Mark Carleton-Smith، وأن المدير السابق كان Lt Gen Jonathan Page، وقد ذُكرا في بداية إجراءات التحقيق في سياق مزاعم عن عدم إبلاغ الشرطة العسكرية.

وفي المقابل، نقلت الـBBC رد مدير 2012 بأنه يرفض ادعاءات N1466، وأنه سيقدم ردًا شاملًا على كل نقطة في شهادته لاحقًا أمام التحقيق.

وأضاف أنه خلال ثلاث سنوات من قيادته لم يبلغه أي قائد كبير بمخاوف ولم يتلقّ أدلة على عمليات قتل غير قانونية، وأنه لم تتوفر لديه مزاعم أو أدلة تستدعي الإحالة للشرطة العسكرية.

أما مدير 2011، فبحسب ما ورد، لم يستجب لطلب التعليق.

من 2011 إلى 2015: إبلاغ متأخر وندم علني

رغم أنه أثار مخاوفه منذ 2011، أبلغ N1466 الأدلة إلى الشرطة العسكرية الملكية بشكل مباشر في يناير/كانون الثاني 2015، أي بعد قرابة أربع سنوات، وقال إن ذلك حدث بعد أن كانت الشرطة العسكرية قد بدأت بالفعل عملية “Northmoor” للتحقيق في الـSAS.

وأعرب الضابط عن “أسفه الشديد” لعدم ذهابه مبكرًا للشرطة العسكرية، ولعدم الضغط على المدير لإحالة الملف، موضحًا أنه كان يرى ذلك وقتها خروجًا على الانضباط والتسلسل.

وذهب في شهادته إلى ما هو أبعد من الندم الشخصي، إذ ربط التأخير بإمكانية وقوع ضحايا لاحقين، مشيرًا إلى حادثة مداهمة في ولاية نيمروز في أغسطس/آب 2012—كشفت عنها الـBBC—قُتل فيها والدان شابان بالرصاص وهما في السرير إلى جانب طفليهما الرضيعين، وقد أُصيب الطفلان أيضًا بجروح خطيرة. ووفق المنشور من مواد التحقيق، لم تُبلّغ تلك المداهمة للشرطة العسكرية.

خلفية التحقيق: اتهامات “بانوراما” و54 قتيلًا في ستة أشهر

أُطلق التحقيق العام المستقل بشأن أفغانستان بعد تقارير ومزاعم عن قتل غير قانوني نفذته الـSAS، أبرزها ما كشفه برنامج BBC Panorama عام 2022، والذي أفاد بأن 54 محتجزًا ورجلًا غير مسلح قُتلوا في ظروف “مريبة” خلال جولة واحدة امتدت ستة أشهر.

كما أفاد البرنامج بوجود أدلة على أن مدير القوات الخاصة في 2012، General Sir Mark Carleton-Smith، أخفق في الإبلاغ عن جرائم حرب، وهي إحدى النقاط التي أصبحت ضمن إطار أسئلة التحقيق ومساراته.

تباين في التقييم: “جانب واحد” مقابل “تحقيق في إعدامات متعمدة”

أثارت الشهادة ردودًا متباينة. فقد قال Col Richard Williams، القائد السابق للـSAS بين 2005 و2008، في برنامج Today على BBC Radio 4، إن شهادة N1466 تمثل “رأي شخص واحد” وقد تعطي صورة “غير متوازنة”، داعيًا إلى النظر إليها إلى جانب إفادات من كانوا يقودون القوات على الأرض.

كما قال الوزير السابق لشؤون المحاربين القدامى Johnny Mercer إن نشر الشهادة قد ينسجم مع “سردية معينة” عن سوء سلوك الجنود، محذرًا من قراءة “جانب واحد” فقط، ومؤكدًا أن الغالبية في المؤسسة العسكرية لا تسعى لكسر القانون أو قتل المدنيين، وأن معظم من تعامل معهم أظهروا أفضل الصفات المعروفة عن القوات المسلحة البريطانية.

في المقابل، شدد متحدث باسم التحقيق على أن القضية لا تتعلق بقرارات قتال لحظية، بل إن التحقيق ينظر في “الإعدام المتعمد لذكور أفغان”، مؤكدًا أن التحقيق “ملزم قانونًا” بنشر ما يستطيع نشره عندما يكون ذلك ممكنًا.

وترى منصة العرب في بريطانيا (AUK) أن خطورة هذه الشهادات لا تكمن فقط في طبيعة الجرائم، بل في قمع الأدلة وإعاقة مسار المساءلة داخل أعلى مستويات القيادة، وهو أمر—إن ثبت—يهدد الثقة العامة بمبدأ سيادة القانون ويقوّض المعايير التي يفترض أن تحكم عمل المؤسسات العسكرية في بريطانيا.

المصدر: بي بي سي 


إقرأ أيضًا:

اترك تعليقا