فيلم 22 يوليو… قراءة في معنى الصدمة ومأزق اليمين المتطرّف
في كل مرة يعود فيها الحديث إلى فيلم 22 July الذي يجسّد الهجمات الإرهابية التي هزّت النرويج عام 2011، أجد نفسي أمام عملٍ لا يمكن التعامل معه بوصفه فيلمًا «ترويجيًا» أو مادة درامية مثيرة، بل بوصفه شهادة بصرية على لحظة أوروبية فاصلة؛ لحظةٍ انكشفت فيها هشاشة المجتمعات أمام العنف المولود من رحم التطرف اليميني والخوف من الآخر.
وهذا ـ للأسف ـ ليس شأنًا نرويجيًا خالصًا، بل جزء من موجة تتسع في بريطانيا وأوروبا، نراها في الخطاب العام، وفي نتائج الانتخابات، وحتى في تعامل بعض المؤسسات مع قضايا الهجرة واللجوء.
الهجوم الذي صدم أوروبا… والجرح الذي لم يلتئم بعد
يروي الفيلم تفاصيل الهجوم الذي نفّذه شخص واحد، لكنّه حمل أيديولوجيا كاملة: تفجير مقر حكومي في أوسلو ثم إطلاق نار على معسكر شبابي في جزيرة أوتويا، أدى إلى مقتل العشرات من الشباب اليافعين.
ورغم أن الفيلم يعيد تمثيل أحداث معروفة وموثقة، فإن قيمته تكمن في الطريقة التي يربط بها بين الفكرة والنتيجة: كيف يتحوّل خطاب الكراهية إلى رصاص، وكيف يستطيع فرد واحد أن يستخدم لغة «الخوف من المهاجرين» و«صراع الهوية» ليبرّر لنفسه جريمة جماعية.
هذه النقطة تحديدًا مهمة لجمهور العرب في بريطانيا، في ظل محاولات بعض التيارات السياسية اليوم تصوير المهاجرين باعتبارهم تهديدًا لهوية البلاد أو عبئًا على نظامها الاجتماعي.
فالمشهد النرويجي يذكّرنا بأن العنف لا يأتي من الهجرة، بل من التحريض على الهجرة.
الضحايا في الفيلم… من أرقام إلى وجوه

أحد أجمل ما نجح فيه المخرج بول غرينغراس، هو صناعته مساحة واسعة للضحايا أنفسهم، خصوصًا شخصية «فيلْيار» الذي نجا بإصابات خطيرة، ثم وقف في المحكمة ليواجه القاتل بكلماته، لا بسلاح.
هذا التحوّل من “شاهد على الألم” إلى “صاحب كلمة” يرسل رسالة عميقة:
المجتمعات لا تلتئم بالقمع ولا بالصمت، بل بمنح الضحايا حقهم في الصوت.
وفي بريطانيا، حيث شهدنا حوادث عنصرية وطائفية واعتداءات مختلفة ضد الأقليات، يبقى منح المتضررين مساحة للتعبير ـ لا لتسييس آلامهم ـ جزءًا من بناء مجتمع متماسك يرفض التحريض والكراهية مهما كان مصدرها.
رسالة الفيلم الفعلية: لا يمكن مواجهة التطرف بنصف موقف
من السهل أن نرى فيلم 22 July بوصفه إعادة محزنة لذاكرة موجعة، لكنّ التأمل فيه يكشف معاني أعمق بكثير.
القاتل لم يكن معزولًا عن خطاب عام، بل جزءًا من موجة فكرية ترى أوروبا البيضاء «مهددة» بالمسلمين والمهاجرين والتنوع.
وهذا ـ مرة أخرى ـ شبيه بما نراه اليوم في الخطاب السياسي والإعلامي في بريطانيا تجاه اللاجئين، وقوارب المانش، وحتى المدارس والمساجد.
الفيلم يبعث برسالة واضحة:
لا يمكن مواجهة التطرف اليميني بمجرد الدعوة إلى التسامح، ولا بمجرد شجب لفظي… بل بمواجهة خطاب الكراهية نفسه، وسحب الشرعية الأخلاقية من كل ما يغذّيه.
لماذا يهمّ هذا الفيلم العرب في بريطانيا؟
لأننا ـ كعرب في هذه البلاد ـ جزء من النسيج الوطني، ولسنا مجرد «قضية هجرة».
ومثلما أثبت المجتمع النرويجي بعد الهجوم أنه قادر على التماسك ورفض خطاب الكراهية، فإن المجتمع البريطاني أيضًا قادر على ذلك حين تتاح له الحقيقة كاملة.
الفيلم يذكّرنا بأن الحوار المجتمعي حول الهجرة لا يجب أن يُختطف من الأصوات المتطرفة، وأن علينا نحن أيضًا أن نكون جزءًا من الرواية:
- أن نعرض قصص النجاح بدل خطاب الوصم.
- أن نتمسّك بالقانون وبقيم العدالة والمساواة.
- وأن نرفض استغلال القضايا الأمنية لتبرير العنصرية أو التضييق.
بين النرويج وبريطانيا… الخطر واحد والوقاية واحدة
22 July ليس مجرد فيلم، بل درس.
درس يقول إن التطرف لا يولد فجأة، بل يبدأ بكلمة، ثم شعار، ثم تحريض، ثم قتلى.
وأنه لا توجد مجتمعات «محصّنة» ضد الكراهية؛ الدول الاسكندنافية ذاتها، الأكثر تقدمًا ورفاهية، لم تكن بمنأى عنها.
لكن الفيلم يقدّم أيضًا بارقة أمل:
العدالة ممكنة، والمسؤولية العامة ممكنة، وبناء مجتمع محصّن من العنصرية ممكن… بشرط أن تكون كل الفئات جزءًا من الحوار، وأن يُنظر إلى التنوع بوصفه قوة، لا تهديدًا.
وفي هذا الزمن الذي تتسارع فيه خطابات اليمين المتطرف في أوروبا، يعيد الفيلم تذكيرنا بقيمة الثبات على المبادئ:
أن كرامة الإنسان ليست قابلة للتجزئة، وأن أمن المجتمعات يبدأ من احترام تنوعها، لا من الخوف منه.
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇



