العرب في بريطانيا | أنس الشريف.. حين يصبح الجسد غيابًا والصوت خلودًا

أنس الشريف.. حين يصبح الجسد غيابًا والصوت خلودًا

مقالArtboard-2-copy-3_2 (5)
خلود العيط أغسطس 12, 2025
شارك

في غزة، يولد بعض الناس وهم يعرفون أن أسماءهم مكتوبة على جدران الريح، وأن قلوبهم ستظل تنبض حتى بعد أن تصمت. أنس الشريف كان واحدًا من هؤلاء. لم يكن مجرد مراسل يقف أمام الكاميرا، بل كان شاهدًا على جريمةٍ ممتدة منذ طفولته، ومرآةً لوجع وطنٍ لم يذق يومًا طعم السلام.

وُلد في مخيم جباليا، وشبّ على رائحة البارود، وحلم بالعودة إلى عسقلان، لكن الاحتلال رسم له طريقًا آخر… طريقًا مفروشًا بالدم والشظايا، نهايته خيمة صحفية قُصفت فوقه.

في رسالته الأخيرة، كتب أنس كمن يضع أمانة في أعناق الأحياء. أوصى بفلسطين، وبأطفالها الذين لم يسعفهم العمر ليحلموا، وبأهله الذين صبروا على الغياب. تحدث عن أمه التي كانت دعواتها حصنه، وعن زوجته التي بقيت على العهد رغم المسافات، وعن طفليه صلاح وشام اللذين حرمته الحرب من لحظة احتضانهما.

لم يكن الموت غريبًا عليه؛ فقد قصف الاحتلال بيته، وقتل والده وهو في صلاة العصر، واغتال زملاءه الصحفيين. ومع ذلك، ظل في غزة، يرد على التهديدات بابتسامة يكسوها الإيمان، ويُردّد: “أخرج من غزة إلى الجنة فقط”.

وكان رحيله مشهدًا من البطولة الجماعية؛ فقد استشهد أنس إلى جانب رفاقه الذين حملوا الكاميرات لا البنادق، محمد قريقع، والمصورون إبراهيم ظاهر، ومؤمن عليوة، ومحمد نوفل. كانوا جميعًا عيون غزة التي حاول الاحتلال إطفاءها، وأصواتها التي فضحت الجريمة للعالم. رحلوا معًا كمن يعقد آخر اجتماع للحق، ليوقعوا بدمائهم وثيقة الشرف الأخيرة: أن الصحافة في فلسطين ليست مهنة، بل مقاومة حتى الرمق الأخير.

كان أنس ورفاقه يعرفون أن الرصاصة تنتظرهم، لكنهم واجهوها بالكاميرا والصوت المرتجف من الجوع، يناشدون العالم أن يرى ما يحدث، فخذلهم العالم الذي رأى وسكت. لكن الاحتلال لم يدرك أن الصمت لن يبتلعهم؛ فقد رحلت الأجساد، وبقيت الأصوات تلاحقه في كل مكان، كما يطارده صدى صور الأطفال الممزقة التي نقلوها للعالم.

أنس ورفاقه.. ما زلتم بيننا

يا أنس، يا محمد، يا إبراهيم، يا مؤمن، يا محمد… أنتم لم ترحلوا. أنتم الآن في كل شريط إخباري، في كل تقرير صادق، في كل قلب لا يساوم على الحقيقة. وصاياكم صارت نشيدًا للأحرار، وكلماتكم صارت عهدًا علينا ألا ننسى، وألا نصمت، وألا نتعب حتى تشرق شمس الحرية على غزة.

“سلام عليكم يوم وُلدتم في أزقة فلسطين الجميلة، ويوم استشهدتم ثابتين على المبدأ في غزة العزة، ويوم يلتقي الأحرار على أرضٍ حرةٍ عادلة، كما حلمتم”.

 


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 31 مايو 2026
بهجة العيد بـ "لمة يمنية" في قلب لندن.. في حديقة (Battersea Park)، عاشت عشرات الأسر اليمنية والعربية أجواءً دافئة تفيض بذكرى الوطن، وسط برنامج حافل بالمسابقات والفعاليات التي أسعدت قلوب الأطفال. #شاهد👇 #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 31 مايو 2026
هل ستدفع ثمن تذكرتك القادمة ضعف قيمتها؟ صيف حارق ينتظر أسعار الطيران عالميًا.. ✈️ مع اقتراب شهر يونيو وبداية ذروة موسم السفر الصيفي، تتزايد المخاوف من قفزة قياسية جديدة في أسعار تذاكر الطيران حول العالم. حيث يواجه قطاع النقل الجوي…
𝕏 @alarabinuk · 31 مايو 2026
أحد الناجين من النكبة، الشاعر د. محمود الشيخ علي، يضمّد آلام وجراح أمته العربية في فلسطين ولبنان، بأبيات صاغها من وجع اللجوء الحاضر في وجدانه منذ عام 1948؛ لتؤكد حتمية العودة والحرية، وذلك خلال أمسية الشعر العربي التي نظمتها منصة…
𝕏 @alarabinuk · 31 مايو 2026
خطأ واحد خلال التحقيق قد يكلفك مستقبلك بالكامل في بريطانيا.. ليس لأنك مذنب، بل لأنك لم تتبع الخطوات القانونية الصحيحة.. نستضيف المحامي بسام طبلية مدير شركة BA للمحامين الدوليين في حلقة قانونية مباشرة هذا الأسبوع؛ لنزع الغطاء عن "كواليس القانون…
عرض المزيد على X ←