في الوقت الذي تواجه فيه بريطانيا ضغوطًا متزايدة لإعادة ترتيب أولويات إنفاقها العام، تكشف الأرقام عن مفارقة لافتة: مليارات الباوندات تُقتطع من ميزانية المساعدات الخارجية، لا لتُرسل إلى مناطق النزاع والفقر حول العالم، بل لتُغطّي نفقات الفنادق التي تأوي طالبي اللجوء داخل الأراضي البريطانية.
ووسط هذا التناقض، يجد حزب العمال نفسه في مرمى الانتقادات، بعد أن تعهّد بإنهاء “فنادق اللجوء” ووعد بتوفير مليارات على دافعي الضرائب، لكنه لم يحقق سوى خفض طفيف لا يكاد يُذكر.
2.2 مليار باوند من المساعدات الخارجية لإيواء طالبي اللجوء

وبحسب البيانات الرسمية، خُصّص مبلغ قدره 2.2 مليار باوند من موازنة المساعدات الإنمائية الرسمية (ODA) لهذا الغرض خلال السنة المالية الجارية، أي بانخفاض طفيف فقط عن الإنفاق المُسجل العام الماضي والبالغ 2.3 مليار باوند، ما يشير إلى بطء واضح في تنفيذ وعود حكومة حزب العمال بإلغاء هذه السياسة.
وكان حزب العمال قد أعلن قبيل وصوله إلى الحكم عزمه “إنهاء إقامة طالبي اللجوء في الفنادق”، مؤكدًا أن هذه الخطوة ستوفر مليارات الباوندات من أموال دافعي الضرائب. إلا أن الأرقام الجديدة أظهرت أن الالتزام بهذا التعهّد لا يزال بعيد المنال.
وتجيز القواعد الدولية استخدام جزء من ميزانيات المساعدات الخارجية داخل الدولة، شريطة أن يقتصر ذلك على دعم طالبي اللجوء خلال السنة الأولى من وصولهم. لكن الاستخدام المفرط لهذا البند يثير تساؤلات حول أولويات الإنفاق البريطاني، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة على برامج التنمية والمساعدات الإنسانية الخارجية.
نحو 32 ألف طالب لجوء في فنادق المملكة المتحدة

وبحسب تقرير هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، يُستخدم جزء كبير من هذا التمويل لتغطية تكاليف الإقامة المؤقتة لحوالي 32,345 طالب لجوء في فنادق داخل المملكة المتحدة. وتُظهر الأرقام الرسمية أن هذا العدد انخفض بنسبة 15% مقارنة بنهاية ديسمبر الماضي، و6% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، إلا أن التكلفة المالية الإجمالية لا تزال مرتفعة.
وفي تعليقه على هذه الأرقام، أشار كريس فيلب، وزير الداخلية في حكومة الظل، إلى ما وصفه بـ”فشل حزب العمال في الوفاء بتعهّداته”، قائلًا: “العمال وعدوا بإنهاء استخدام الفنادق لإيواء المهاجرين غير الشرعيين، لكن الواقع يُظهر ارتفاع أعدادهم، والآن تكشف الوثائق أن نفقات هذه السياسة تُغطى من أموال المساعدات الخارجية، في خرق واضح للوعود الانتخابية”.
من جهته، وصف جيديون رابينوفيتز، مدير السياسات في شبكة Bond للمنظمات التنموية، هذا التوجه بأنه “غير قابل للاستمرار”، مؤكدًا أن إنفاق 2.2 مليار باوند من ميزانية وزارة الخارجية والتنمية “يمثل سوء استخدام للموارد، ويأتي على حساب برامج تنموية وإنسانية حيوية تعالج جذور الفقر والنزاعات والنزوح في العالم”.
مصادر حكومية أشارت إلى أن غياب الحافز المالي لوزارة الداخلية لتقليص هذه التكاليف يُعقّد الأزمة، نظرًا لأن الأموال تُقتطع من ميزانية وزارة الخارجية وليس من ميزانية الداخلية، ما يخلق نوعًا من التراخي في معالجة جذور المشكلة.
وزارة الداخلية: إجراءات جديدة لتقليص الاعتماد على الفنادق

وردًا على الانتقادات، قالت وزارة الداخلية في بيان رسمي: “ورثنا نظامًا للجوء يرزح تحت ضغط غير مسبوق، ونعمل على إصلاحه من خلال تسريع قرارات البت في الطلبات وزيادة وتيرة الترحيل، بما يسمح بإنهاء الاعتماد على الفنادق وتوفير 4 مليارات باوند بحلول عام 2026”.
وتُستخدم الفنادق لإيواء طالبي اللجوء في حال عدم توفر سكن لدى السلطات المحلية أو الجهات المتعاقدة، خاصة لأولئك الذين ينتظرون نتيجة طلباتهم أو استئنافاتهم، وقد أُثبت أنهم غير قادرين على تأمين الإقامة بأنفسهم.
وبحسب تقرير صادر عن ديوان المحاسبة الوطني (NAO) مطلع هذا الشهر، فإن نحو 35% من طالبي اللجوء يُقيمون حاليًا في فنادق، إلا أن هذه النسبة تمثل نحو 76% من إجمالي كلفة العقود المتعلقة بالإيواء، أي ما يعادل 1.3 مليار باوند من أصل 1.7 مليار باوند خلال عام 2024/2025.
تصريحات مثيرة للجدل من وزيرة التنمية الدولية

وأثار هذا الملف جدلًا سياسيًا إضافيًا في أعقاب تصريحات بارونة جيني تشابمان، وزيرة التنمية الدولية، التي اعتبرت أن “أيام التعامل مع بريطانيا كجمعية خيرية عالمية قد انتهت”، ما أثار ردود فعل غاضبة من قبل منظمات الإغاثة والنواب المعارضين.
وقالت تشابمان، التي تولت منصبها في فبراير خلفًا لأنيليز دودز، إن عليها “التحدث بصراحة تامة مع الرأي العام”، مشيرة إلى وجود “أزمة ثقة حقيقية في دعم المساعدات الدولية”، وأضافت أن “العديد من الدول الشريكة للمملكة المتحدة تطمح بدورها إلى تجاوز هذا النموذج القديم من العلاقة”.
نرى أن هذا الملف لا ينبغي اختزاله في أرقام ونسب مالية فقط، بل يجب النظر إليه من زاويتين متكاملتين: الأولى إنسانية، تتعلق بحقوق طالبي اللجوء وكرامتهم؛ والثانية سياسية، ترتبط بصدقية التعهدات الحكومية وجدوى السياسات العامة. كما تطرح هذه الأزمة أسئلة جوهرية حول دور بريطانيا في العالم: هل تخلّت الدولة فعليًا عن مسؤولياتها الأخلاقية بوصفها جهة مانحة للمساعدات؟ أم أنها تعيد توجيه دعمها نحو الداخل بفعل ضغط الرأي العام وتراجع الثقة بالمؤسسات؟
يبقى المؤكد أن تسييس المساعدات، واستغلالها في الداخل تحت لافتة “التقشف العقلاني”، قد يحمل تبعات أكبر مما يبدو… ليس فقط على طالبي اللجوء، بل على مكانة بريطانيا في العالم.