وقفة تأمل في المشهد العربي المعاصر
ليس من السّهل أن يُسأل الإنسان عن موقفه، حين يكون السّؤال ذاته مثقّلًا بالدّم، والخرائط الممزّقة، والبيوت الّتي تحوّلت إلى ذاكرة. فالموقف، في بلادنا العربيّة هو امتحان ضمير، واختيارٌ أخلاقيٌّ، وكلفةٌ تُدفع سلفًا.
أنا لست محايدةً.
ولست منحازةً للضّجيج أيضًا.
أنا منحازةٌ للإنسان، حين يُسحق باسمه، أو باسم غيره.
ما يجري في بلادنا العربيّة ليس سلسلة أحداث معزولة، ولا انفجارات عابرة في نشرات الأخبار، إنّه أكبر من ذلك بكثير..
فهو تراكمٌ طويلٌ من الخيبات، بدأ يوم سُرقت الكلمة، ثمّ سُرق المعنى، ثمّ صار الدم تفصيلًا، وصار القاتل وجهة نظر، وصار الضّحية عبئًا على الرّواية.
مشكلتنا في فائضها، فلم نعانِ من غياب الخطب، وإنّما من غياب الصّدق. فكم من نظامٍ تزيّن بلغة المقاومة وهو أوّل من قمع شعبه، وكم من معارضةٍ رفعت راية الحرّيّة وهي تمارس الإقصاء بذات الأدوات، وكم من مثقّفٍ تواطأ بالصّمت، ثمّ سمّى صمته “تعقّلًا” أو “واقعية”.
موقفي واضح:
لا قضية عادلة تُبنى على الظّلم،
ولا وطن يُحمى بإذلال أهله،
ولا مستقبل يُصاغ فوق جماجم المنسيين.
في فلسطين، لا نحتاج إلى فلسفةٍ طويلةٍ لنفهم أين يقف الحقّ. الحقّ يقف مع شعب يُقتل لأنّه يريد أن يعيش، ويُحاصر لأنّه يرفض أن يختفي. لكن المأساة لا تتوقّف عند المحتلّ وحده؛ تمتدّ إلى عالمٍ يبرّر، ويصمت، ويقايض الدم بالمصالح. وهناك، يبقى مفهوم الصّمت بكلّ اللّغات جريمةً، والحياد شكلًا من أشكال التّواطؤ.
وفي سوريا، لم تكن المأساة فقط في الحرب، كانت في الطّريقة الّتي جرى بها كسر الإنسان، وتحويل الألم إلى أرقام، والضّحايا إلى ملفّات، والذاكرة إلى تهمة.
لقد خسرنا كثيرًا حين اعتدنا المشهد، وحين صرنا نسأل: “إلى أيّ طرف ينتمي القتيل؟” بدلًا من أن نسأل: “لماذا يُقتل أصلًا؟”.

أمّا في بقيّة الجغرافيا العربيّة، فالصّورة تتكرّر بأشكالٍ مختلفةٍ: فقرٌ يُدار، خوفٌ يُستثمر، إعلامٌ يُلمّع، ووعيٌ يُخدَّر.
أمّا عن المواطن العربيّ فلا يُطلب منه أن يكون شريكًا في القرار، يُطلب منه أن يكون صامتًا، ممتنًا، أو على الأقل غير مزعج.
وعن نفسي، فأنا أرفض هذا النّموذج.
أرفض أن يُطلب من الإنسان أن يختار بين الاستبداد والفوضى، كأن لا خيار ثالث اسمه الكرامة.
أرفض أن تُختصر الأوطان في أنظمة، أو تُختزل الشّعوب في صور نمطيّة جاهزة للتشويه.
موقفي أن الحرية ضرورة وجودية تحيا بها الأوطان.
وأنّ العدالة ميزان لا يستقيم بدونه أي مجتمع، وأنّ الكلمة، حين تُقال بصدق، قد لا تُنقذ العالم، لكنّها على الأقل تُنقذ صاحبها من الخيانة الداخلية.
لسنا شعوبًا فاشلة، كما يحلو للبعض أن يروّج. نحن شعوب مُنهكة، مُنهوبة، ومخذولة. لكننا أيضًا شعوب ما زالت تكتب، وتحب، وتحلم، وتقاوم بطريقتها الخاصة، حتى حين يُطلب منها أن تنسى.
أنا مع كلّ أمٍّ فقدت ابنها ولم تفقد إنسانيتها.
مع كلّ صحفيٍّ قال الحقيقة ودفع ثمنها.
مع كلّ شابٍّ حاول أن يعيش بكرامة في وطنٍ ضيّق عليه الحياة.
ومع كلّ امرأةٍ رفضت أن تكون هامشًا في معركة لم تخترها.
موقفي _بعيدًا عن الغضب_ هو دعوة للمراجعة.
مراجعة أنفسنا قبل أن نلعن العالم. مراجعة اللّغة الّتي نستخدمها، والأحكام السًهلة الّتي نطلقها، والاصطفافات العمياء الّتي نلوذ بها خوفًا من التفكير.
لقد تعلّمت من كلّ ما يجري أن أعقد أشكال القسوة ليست في القتل وحده، وإنّما في تبريره، وأنّ أخطر أنواع الهزيمة ليست العسكريّة، هي الأخلاقية. حين نعتاد الظلم، ونساوم على الحقيقة، ونقنع أنفسنا أن “لا جدوى من الكلام”.
لكن الجدوى موجودة دائمًا.
في الكلمة الصّادقة.
في الموقف الواضح.
وفي الذاكرة التّي ترفض أن تُمحى.
هذا موقفي ممّا يجري في بلادنا العربية:
أن أكون شاهدةً لا متفرجة،
وأن أختار الإنسان قبل الرّاية،
وأن أؤمن بأنّ المستقبل، مهما طال اللّيل، لا يُبنى إلّا على الحقّ، ولا يولد إلّا من رحم الصّدق.
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇
