وثائق مسربة: “تل أبيب” طلبت استشارات قانونية سرية لحماية البريطانيين المشاركين في إبادة غزة
كشفت وثائق مسرّبة من وزارة العدل الإسرائيلية أن تل أبيب سعت، بشكل سري، إلى الحصول على استشارات قانونية بشأن المخاطر التي قد يواجهها مواطنون بريطانيون يخدمون في صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي، على خلفية مشاركتهم في الحرب الإبادية على غزة.
وتُظهر الوثائق، التي نشرها موقع تسريبات إلكتروني، قلقًا داخل وزارة العدل الإسرائيلية من احتمال تعرّض مزدوجي الجنسية أو المواطنين الأجانب للملاحقة الجنائية في بلدانهم، ولا سيما في بريطانيا، بموجب قوانين الاختصاص القضائي العالمي أو قوانين التجنيد الأجنبي.
قلق من الملاحقة في بريطانيا

الاستشارات ركّزت تحديدًا على سؤالين رئيسيين:
هل يسمح القانون البريطاني لمواطنيه بالخدمة في جيوش أجنبية؟
وهل قد يواجه هؤلاء خطر التحقيق أو الملاحقة عند عودتهم إلى المملكة المتحدة؟
تشير الوثائق إلى أن التحرك الإسرائيلي جاء بعد انتقادات إعلامية أثارتها وزيرة بريطانية سابقة، ما دفع مسؤولين في وزارة العدل الإسرائيلية إلى تكليف مكاتب محاماة كبرى بإعداد مذكرات قانونية حول “تعرض الجنود الأجانب للمساءلة”.
كما طُلبت استشارات مماثلة بخصوص مواطنين من ألمانيا وفرنسا وبلجيكا وإسبانيا وجنوب أفريقيا يخدمون في جيش الاحتلال.
ويأتي ذلك بعد أن كشف تحقيق سابق أن أكثر من 50 ألف أجنبي خدموا في صفوف جيش الاحتلال خلال حرب الإبادة على غزة، بينهم أكثر من ألفي بريطاني.
وحتى الآن، لم تُسجَّل أي حالة توقيف لعناصر من جيش الاحتلال في بريطانيا على خلفية مشاركتهم في الجرائم المرتكبة في غزة.
وتساءل المحامي المختص بحقوق الإنسان دانيال ماكوفر:
“إذا كان شخص عائدًا من منطقة نزاع خدم فيها ضمن قوة يُشتبه بارتكابها انتهاكات للقانون الجنائي الدولي، فلماذا لا يتم استجوابه عند عودته؟ هذا تقصير من الحكومة”.
استقالة وارسـي… وجرس الإنذار الإسرائيلي
تُظهر الوثائق أن مقابلة أجرتها البارونة سيدة وارسي عام 2017 دقّت ناقوس الخطر داخل وزارة العدل الإسرائيلية.
ووارسي، التي استقالت من منصبها في الحكومة البريطانية كوزيرة دولة للإيمان والمجتمعات عام 2014 احتجاجًا على دعم لندن للعدوان على غزة، كانت قد وصفت الموقف البريطاني بأنه “غير قابل للدفاع أخلاقيًا”. وفي مقابلة لاحقة، دعت إلى معاملة البريطانيين الذين يخدمون في جيش الاحتلال باعتبارهم “مقاتلين أجانب”، وإخضاعهم للملاحقة عند عودتهم.
وقالت إن القانون البريطاني يعاقب من يقاتلون ضمن جماعات غير تابعة لدول، لكنه يترك “ثغرة كبيرة” فيما يتعلق بالقتال لصالح جيوش دول، مضيفة:
“السبب الوحيد لوجود هذه الثغرة هو جيش الاحتلال، لأننا لا نملك الشجاعة لنقول إن حملك للجنسية البريطانية يعني أن تقاتل فقط من أجل دولتنا”.
وبعد يوم واحد من نشر المقابلة، طلبت مسؤولة رفيعة في وزارة العدل الإسرائيلية إعداد نقاط قانونية عاجلة حول كيفية منع تمرير أي تشريع قد يعرّض هؤلاء للمساءلة.
البحث عن “ضمانات” للمسؤولين والجنود
في عام 2019، عادت وزارة العدل الإسرائيلية لطلب استشارات إضافية، عبر استبيان موجّه إلى “محامين في إنجلترا” حول القوانين المنظمة لخدمة البريطانيين في جيوش أجنبية.
وكان الهدف المعلن هو توفير “ضمانات كافية” للمسؤولين والجنود الحاليين والسابقين في جيش الاحتلال أثناء سفرهم إلى الخارج.
وشملت الأسئلة:
- هل يُحظر قانونًا على البريطاني الانخراط في جيش أجنبي؟
- هل يتطلب الأمر إخطارًا رسميًا أو موافقة مسبقة؟
- ما العقوبات الجنائية أو المدنية المحتملة عند المخالفة؟
وأُرسلت استبيانات مشابهة إلى عدة دول أوروبية وجنوب أفريقيا.
متطوعون بملابس عسكرية
تكشف الوثائق أيضًا عن قلق إسرائيلي من الوضع القانوني للمتطوعين الأجانب الذين يعملون في أدوار “غير قتالية” ضمن جيش الاحتلال، مثل الخدمات اللوجستية وتنظيم الإمدادات.
ويرتبط ذلك ببرنامج “سار-إل” (Sar-El)، وهو مشروع تطوعي يعمل تحت إشراف سلاح اللوجستيات في جيش الاحتلال، ويُدمج المتطوعين الأجانب في الحياة العسكرية، حيث يرتدون الزي العسكري ويعملون تحت إشراف الجنود.
ومنذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، سافر نحو 700 شخص من بريطانيا وأيرلندا إلى إسرائيل ضمن هذا البرنامج، للمساعدة في سد النقص الناتج عن استدعاء قوات الاحتياط.
تعديل القانون البريطاني بطلب إسرائيلي

تكشف الوثائق كذلك أن إسرائيل ضغطت على الحكومة البريطانية لتقييد استخدام مبدأ “الاختصاص القضائي العالمي”، الذي يسمح بمحاكمة جرائم جسيمة مثل الإبادة والتعذيب في دول أخرى.
وخلال العقد الأول من الألفية، صدرت طلبات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين زاروا بريطانيا. وردًا على ذلك، خاطبت إسرائيل وزارة العدل البريطانية مطالبة بتعديلات تشريعية تمنع إصدار مذكرات توقيف دون موافقة مسبقة من النائب العام أو مدير الادعاء العام.
وفي عام 2011، أقرت حكومة ديفيد كاميرون تعديلات قانونية تشترط موافقة مدير الادعاء العام قبل إصدار أي مذكرة توقيف بموجب الاختصاص العالمي — وهو ما كانت إسرائيل قد طالبت به تحديدًا.
وقال وزير الخارجية البريطاني آنذاك ويليام هيغ:
“لا يمكن أن يكون لدينا وضع يشعر فيه السياسيون الإسرائيليون بأنهم لا يستطيعون زيارة هذا البلد”.
حماية قانونية… في ظل جرائم موثقة
تكشف الوثائق المسرّبة أن القلق الإسرائيلي لم يكن نظريًا، بل شكّل تحركًا استباقيًا لحماية جنود ومسؤولين من تبعات قانونية محتملة مرتبطة بجرائم موثقة خلال الحرب الإبادية على غزة.
وبينما لم تشهد بريطانيا حتى الآن أي توقيف لعناصر من جيش الاحتلال، فإن التسريبات تفتح أسئلة ثقيلة حول مسؤولية الحكومات الأوروبية في التعامل مع مواطنيها الذين شاركوا في إبادة خلّفت آلاف الشهداء الفلسطينيين.
المصدر: Declassified
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇
