هل يهدد الذكاء الاصطناعي وظائف الموظفين المبتدئين في بريطانيا؟
في ظلّ استمرار النقاش العالمي حول تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، تكشف دراسة حديثة عن مؤشرات جديدة تُظهر كيف بدأت التقنيات التوليدية الذكية بإحداث تغيّرات دقيقة في أنماط التوظيف، لا سيما بين فئة الموظفين المبتدئين. ورغم أنّ التأثير لا يظهر بوضوح في البيانات الرسمية حتى الآن، إلا أن نتائج تحليل شمل أكثر من 300 ألف شركة تُشير إلى أن ملامح التحوّل بدأت تتشكل ببطء.
تباطؤ في التوظيف رغم استمرار النمو الاقتصادي

يُعدّ الاقتصاد الأمريكي (كمثال للدراسة المقارنة) لغزًا في حدّ ذاته؛ إذ يواصل النمو بوتيرة مستقرة، في حين تباطأ خلق الوظائف الجديدة بشكل حاد، إذ أُضيف في أغسطس الماضي 22 ألف وظيفة فقط، مقارنة بـ158 ألفًا في أبريل. هذا التراجع أثار تساؤلات عميقة: هل بدأ الذكاء الاصطناعي التوليدي فعلاً في تقليص فرص العمل البشرية؟
بيانات رسمية مستقرة… ولكن الصورة أعمق
تشير البيانات الرسمية إلى أن نسبة الوظائف المكتبية — وهي الأكثر عرضة لأتمتة المهام الذهنية — لم تتغيّر كثيرًا خلال العام الماضي. كما أظهر بحث أجرته جامعة «ييل» في أكتوبر 2025 أن أنواع الوظائف التي يشغلها الناس لم تشهد تحولًا كبيرًا منذ ظهور ChatGPT في أواخر عام 2022.
لكن وراء هذه الصورة المستقرة، تكمن حركة خفية في الشركات التي تبنّت الذكاء الاصطناعي في أعمالها اليومية.
من هم «مُدمجو الذكاء الاصطناعي»؟
أجرى طالبان في جامعة هارفارد، سيد حسيني وجاي ليشتينغر، دراسة تحليلية شاملة على بيانات من 200 مليون إعلان وظيفي لتتبّع الشركات التي بدأت في توظيف ما يُعرف بـ«مُدمجي الذكاء الاصطناعي التوليدي» — وهم الخبراء المكلّفون بإدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمليات اليومية داخل المؤسسات.
توصل الباحثان إلى تحديد 130 ألف وظيفة من هذا النوع في 10,600 شركة وصفوها بأنها «شركات متبنّية للذكاء الاصطناعي». وبدأ هذا الاتجاه في الارتفاع مطلع عام 2023، تزامنًا مع إطلاق نسخة ChatGPT 3.5، في حين بقيت 274 ألف شركة أخرى خارج دائرة التبني الفعلي للتقنية.
أثر مباشر على الوظائف المبتدئة

لو لم يكن للذكاء الاصطناعي تأثير على التوظيف، لكانت معدلات التوظيف في الشركات المتبنّية مطابقة لتلك غير المتبنّية.
لكن الدراسة وجدت أن الوظائف المبتدئة انخفضت في جميع الشركات بعد عام 2023، إلا أن التراجع كان أشد بنسبة 7.7٪ في الشركات التي اعتمدت الذكاء الاصطناعي خلال الفصول الستة التالية.
اللافت أن هذا الانخفاض لم يُسجَّل في الوظائف العليا أو الإدارية، ما يعني أن الأعمال الروتينية الذهنية — مثل تصحيح الأكواد أو مراجعة المستندات — أصبحت من أسهل المهام التي يمكن تسليمها للذكاء الاصطناعي. وتشير البيانات إلى أن الانخفاض ناتج عن تباطؤ في التوظيف الجديد لا عن عمليات تسريح جماعي.
من الخاسر الأكبر؟ خريجو الجامعات المتوسطة
قسّم الباحثان الجامعات إلى خمس فئات وفقًا لمكانتها الأكاديمية، وخلصا إلى أن خريجي الجامعات المتوسطة التصنيف هم الأكثر تضررًا من هذا التحوّل، مقارنة بخريجي الجامعات المرموقة أو الأقل تصنيفًا.
ويُعتقد أن الشركات تحتفظ بخريجي الجامعات المرموقة لما يمتلكونه من مهارات تخصصية نادرة، في حين تفضّل الخريجين من الجامعات الأدنى تكلفة بسبب رواتبهم المنخفضة. أما الطبقة المتوسطة من الخريجين، فكانت الأكثر تهميشًا في بيئة التوظيف الجديدة.
ما الذي تعنيه هذه النتائج لبريطانيا؟
ورغم أن الدراسة ركّزت على السوق الأمريكية، إلا أن تداعياتها تُنذر بمستقبل مشابه في سوق العمل البريطاني، الذي يشهد بدوره توسعًا سريعًا في تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي في مجالات التسويق، البرمجة، والتحليل المالي.
وإذا استمرت الشركات البريطانية في اعتماد نفس النماذج التشغيلية، فقد تواجه شريحة الموظفين المبتدئين، خصوصًا خريجي الجامعات المتوسطة، تحديات مشابهة في التوظيف خلال السنوات القليلة المقبلة.
من جهتنا في المنصة نرى أنَّ الذكاء الاصطناعي لا يُمثّل خطرًا وجوديًا على الوظائف، بقدر ما يُسهم في إعادة تشكيل طبيعة العمل تدريجيًا. فبدلًا من التركيز على فكرة إحلال الإنسان بالكامل، ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداةٍ تُعيد توجيه المهارات المطلوبة وتُتيح فرصًا جديدة في مجالات الإشراف، والتحليل، والإبداع. ومع ذلك، تُشير المنصّة إلى أنَّ الموظفين المبتدئين قد يواجهون بعض التحديات في المدى القريب، خصوصًا في الشركات التي تسعى إلى خفض التكاليف أو تسريع التحوّل الرقمي، شريطة ألّا يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى محورٍ مهيمنٍ على العمل يمنح الآلة مكانة تفوق الإنسان، بل يبقى أداةً تُعزّز دوره ولا تُقصيه.
المصدر: economist
إقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
