العرب في بريطانيا | نعم تمتلكها ولا تراها، وأوّلها وأولاها الصحة

نعم تمتلكها ولا تراها، وأوّلها وأولاها الصحة

نعم تمتلكها ولا تراها، وأوّلها وأولاها الصحة
أميرة عليان تبلو مايو 5, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

ثمّة أشياء نعيش بها، لكنّها لا تعيش في وعينا. نحملها كلّ يومٍ، دون أن نشعر بثقلها، ونستظلُّ بها دون أن نرفع أبصارنا لنتأمّل ظلّها. هي ليست غائبة عنا، نحن الغائبون عنها. نمرّ بها كما يمرّ الغافل على كنزٍ مدفون تحت قدميه، فلا هو يحفر، ولا هو يشكّ حتى بوجوده. ولعلّ أوّل هذه الكنوز وأجدرها بالتأمل: الصحة.

الصّحّة حضورٌ متكاملٌ للحياة فينا. هي تلك القدرة الصّامتة التي تمكّننا من النّهوض دون ألم، ومن التنفس دون جهد، ومن التفكير دون ضباب. لكنها، أكثر ما يُهمل لأنه لا يُرى. فالإنسان بطبعه لا ينتبه إلى النّعمة إلّا إذا انكسرت، ولا يشعر بالقيمة إلّا إذا فُقدت. وكأنّ الإدراك لا يُولد إلّا من رحم الألم.

تخيّل إنساناً يستيقظ صباحاً، ينهض من فراشه، يمشي، يأكل، يعمل، يضحك، ويتنقّل بين تفاصيل يومه بسهولة. كلّ هذه الأفعال، الّتي تبدو عاديّةً إلى حد الابتذال، هي في حقيقتها معجزات يوميّة متكرّرة. لكنّنا، بفعل التّكرار، نُفرغها من معناها. يصبح المشي فعلاً تلقائيّاً لا يستحقّ التّفكير، والتّنفّس عمليةً بيولوجيةً لا تستحقّ الامتنان، والنّظر قدرةً بديهيّةً لا تستحقّ التّأمّل. وهكذا، تتحوّل النّعمة إلى عادة، والعادة إلى غفلة.

المفارقة المؤلمة أنّ الإنسان لا يكتشف قيمة الصّحّة إلّا حين تتصدّع. حين يصبح النّهوض من الفراش معركةً، والتّنفّس جهداً، والحركة عبئاً. هناك فقط، تتبدّل زاوية الرّؤية. الأشياء الّتي كانت هامشيّةً تصبح مركزيّةً، والتفاصيل الصغيرة تتحوّل إلى أمنيات كبيرة. كم من مريض يتمنّى أن يعود به الزمن ليشعر بقدميه كما كان، أو ليتنفس دون ألم، أو لينام دون أرق؟ وكم من صحيح لا يزال يبدّد هذه النعمة وكأنّها حقّ مكتسب لا يُسلب؟

الصحة، في بعدها الآخر، هي توازن. توازن بين الجسد والنّفس، بين الدّاخل والخارج، بين ما نشعر به وما نعيشه. ليست مجرد سلامة عضوية، فهي انسجام شامل. لذلك، فإنّ اختلالها لا يكون جسدياً فقط، ولكن يمتدّ إلى النّفس، إلى المزاج، إلى الرّؤية. الإنسان المرهق جسدياً لا يرى العالم كما يراه المعافى، والمريض لا يتذوّق الحياة كما يتذوّقها الصّحيح. كأنّ الصّحّة هي العدسة الّتي نرى بها الوجود؛ إذا صفَت، صفا كل شيء، وإذا تعكّرت، تعكّر كل شيء.

ومع ذلك، نحن نؤجل الاعتراف بها. نؤجّل شكرها. نؤجل حتى العناية بها. نتصرّف وكأن أجسادنا لا تُستهلك، وكأن قوانين الطبيعة لا تنطبق علينا. نسهر بلا حساب، نأكل بلا وعي، نرهق أنفسنا بلا رحمة، ثم نستغرب حين يختلّ الميزان. نبحث عن العلاج بعد أن نُهمل الوقاية، ونركض خلف الدواء بعد أن نُقصّر في الحفاظ على العافية. إنها مفارقة الإنسان مع ذاته: يعرف، لكنه لا يعمل بما يعرف.

ربّما لأنّ الصّحّة صامتة. لا تصرخ لتلفت الانتباه، ولا تفرض نفسها بالقوة. المرض وحده من يفعل ذلك. المرض يطرق الباب بعنف، يفرض حضوره، ويجبرك على الالتفات. أما الصحة، فهي حضور هادئ، يكاد يكون خفيّاً. ولهذا، تحتاج إلى وعيٍ يقظ ليدركها، إلى عقلٍ متأمل ليثمّنها. إنّها ليست نعمة تحتاج إلى إثبات، بل نحن من نحتاج إلى بصيرة لنراها.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الامتنان هو شعور وجبَ علينا، لا بدّ منه، ولا بدّ من تطبيقه، أن تشعر بصحتك يعني أن تعيشها بوعي، أن تحترم جسدك، أن تعطيه حقّه من الرّاحة، من الغذاء، من التّوازن. الامتنان الحقيقيّ لا يُقال فقط، وإنّما يُمارس. هو أن تختار ما ينفعك، وأن تبتعد عمّا يضرك، لا خوفاً من المرض فقط، ولكن تقديراً للعافية.

لكن الصّحّة ليست وحدها في هذا الخفاء. هناك نعم أخرى لا نراها لأنّها مألوفة: الأمن، الوقت، العلاقات، القدرة على الاختيار. كلها كنوز صامتة، نعيش بها ولا نعيشها. ومع ذلك، تبقى الصّحّة هي الأساس الّذي تقوم عليه بقيّة النعم. فما قيمة الوقت إن كنت عاجزاً عن استثماره؟ وما معنى الأمن إن كنت أسير جسدٍ متعب؟ وما جدوى العلاقات إن كنت غارقاً في ألمك؟ الصّحّة، بهذا المعنى، ليست نعمة من بين نعم، وإنّما هي شرطٌ لإدراك النعم الأخرى.

إنّ أعظم ما يمكن أن يفعله الإنسان لنفسه هو أن يستيقظ قبل أن يُوقظَه الألم. أن يرى قبل أن يُحرم من الرؤية، وأن يشعر قبل أن يفقد القدرة على الإحساس. الوعي المبكر ضرورة. أن تدرك ما تملك وأنت تملكه، خيرٌ من أن تدركه بعد أن تفقده. فالإدراك المتأخر، وإن كان عميقاً، يبقى مثقّلاً بالحسرة.

ولعلّ السّؤال الّذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس: ماذا ينقصنا؟ بل: ماذا نملك ولا نراه؟ هذا السؤال يعيد ترتيب أولوياتنا، ويكشف لنا كم نحن أغنياء بما نجهل. الصحة، حين تُرى بهذا الشكل، تتحوّل من حالةٍ عاديّةٍ إلى قيمةٍ عليا، من أمر بديهيٍّ إلى نعمةٍ تستحقُّ الاحتفاء.

في النّهاية، ليست المشكلة في قلة ما نملك، المشكلة في ضعف وعينا بما نملك. نحن لا نفتقر إلى النّعم بقدر ما نفتقر إلى البصيرة. ولو أنّنا أبصرنا جيداً، لاكتشفنا أنّ كثيراً مما نبحث عنه خارجنا، موجود فينا منذ البداية. نعم، تمتلكها ولا تراها… وأوّلها، وأولاها: الصّحّة.


 

اترك تعليقا

2 تعليقاً على “نعم تمتلكها ولا تراها، وأوّلها وأولاها الصحة”

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 15 مايو 2026
أنشطة وفعاليات تناسب العائلات في #بريطانيا خلال عطلة نهاية هذا الأسبوع🏤 تفاصيل الأنشطة وأماكن إقامتها: https://alarabinuk.com/?p=225647 #العرب_في_بريطانيا #AUK #مانشستر #أدنبرة #أنشطة #فعاليات
𝕏 @alarabinuk · 15 مايو 2026
تخيل لو استلم نايجل فاراج السلطة في بريطانيا.. ما الذي سيحدث؟ يكشف #تقرير عن سيناريوهات صادمة للمخاطر التي قد تواجهها بريطانيا في حال وصول فاراج لرئاسة الوزراء، والتي قد تشمل قرارات صارمة تبدأ بإلغاء قانون حقوق الإنسان، وصولًا إلى خطط…
𝕏 @alarabinuk · 15 مايو 2026
وداعًا لانتظار الأطفال في طوابير المطارات المملة.. ✈️ ابتداءً من 8 يوليو، أعلنت وزارة الداخلية البريطانية عن تحديث سيغير قواعد اللعبة للعائلات المسافرة؛ حيث سيُسمح للأطفال في سن 8 و9 سنوات باستخدام البوابات الإلكترونية (e-gates) عند العودة من الخارج. ما…
𝕏 @alarabinuk · 15 مايو 2026
"سفينة حزب العمال قد أبحرت بالفعل.." عبّر زعيم حزب العمال السابق جيرمي كوربن عن حزنه من الانهيار الذي يشهده الحزب بسبب سياساته الضعيفة، مؤكدًا استحالة عودته لصفوفه لأنه "انتهى ولن يعود". #العرب_في_بريطانيا #AUK
عرض المزيد على X ←