العرب في بريطانيا | موقفٌ واحدٌ يَكفي لتعرف صديقك الحقيقي

1447 شعبان 20 | 08 فبراير 2026

موقفٌ واحدٌ يَكفي لتعرف صديقك الحقيقي

موقفٌ واحدٌ يَكفي لتعرف صديقك الحقيقي

كلمة صداقة لا تعني فقط تلك الضّحكات المتبادلة، ولا السّاعات الطّويلة الّتي نقضيها في الحديث، ولا الصّور المشتركة ولا الذكريات المتراكمة عبر السّنين. فكلّ ذلك قد يصنع ألف صديق، لكنّه لا يصنع صديقاً حقيقيّاً.

الصّديق الحقيقيّ لا يُقاس بعدد المواقف، وإنّما بنوعها، ولا يُختبر في أيام الرّخاء، يُختبر في لحظة واحدة فاصلة، قد لا تتكرّر، لكنّها تكشف كلّ شيء.

نحن نعيش في عالمٍ مزدحمٍ بالعلاقات، تتشابك فيه المصالح، وتتداخل فيه المجاملات، حتى بات التّمييز بين الصّديق والعارف، بين الرّفيق والعابر، مهمّةً شاقّةً، ومع ذلك، تظلّ هناك قاعدة إنسانيّة ثابتة لا تخطئ: موقفٌ واحدٌ صادق، كفيل بأن يعرّي كل الوجوه، ويضع كلّ شخص في مكانه الحقيقي.

الصّداقة بين الوهم والحقيقة

Trois femmes assises sur un rocher près d’un plan d’eau entouré d’arbres pendant la journée

كثيرون يخلطون بين الصّداقة والألفة، وبين القرب والصّدق. فقد يكون الشّخص قريباً منك، حاضراً في تفاصيل حياتك، لكنّه غائب تماماً عن جوهرك. وقد يشاركك الفرح، لكنّه ينسحب بصمت عند أوّل وجع. وهنا تظهر الحقيقة المرّة: ليس كلّ من ضحك معك صديقاً، وليس كلّ من سمعك محبّاً، وليس كلّ من ساندك بالكلام قادراً على أن يسندك بالفعل.
الصّداقة الحقيقيّة امتحان أخلاقي.

امتحان لا يُعقد في القاعات، ولا تُراقَب فيه الإجابات، يُفاجئك في لحظة ضعف، أو خسارة، أو ظلم، أو احتياج. في تلك اللّحظة تحديداً، لا يكون أمام صديقك وقت للتّفكير، ولا مساحة للتّزييف؛ إمّا أن يكون، أو لا يكون.

الموقف الكاشف

chemise orange pour deux garçons

الموقف الواحد الّذي يكفي لتعرف صديقك الحقيقي، هو ذاك الّذي تكون فيه أضعف ما تكون، وأقلّ ما تملك، وأكثر ما تحتاج. حين تخسر شيئاً عزيزاً: مالاً، مكانة، فرصة، أو حتى نفسك. حين تصبح بلا مصلحة، بلا نفع، بلا قدرة على العطاء.

في هذه اللّحظة، يسقط القناع عن كثيرين. بعضهم يتراجع خطوةً إلى الوراء بحجّة الانشغال، وبعضهم يواسيك من بعيد بكلمات باردة، وبعضهم يختفي كأنّه لم يكن. أمّا الصّديق الحقيقيّ، فلا يحتاج إلى دعوة، ولا ينتظر إشارة، ولكن يكون حاضراً بفطرته، صامتاً إن لزم الصّمت، ومتكلّماً إن احتجت الكلام، وثابتاً حين تتزلزل الأرض من تحتك.

الصّديق الحقيقي لا يسألك: ماذا ستستفيد؟
ولا يهمس في داخله: متى تنتهي هذه الأزمة؟
ولكن يسألك سؤالاً واحداً: كيف أكون معك؟

الصّديق في لحظة الظّلم

une paire de mains se tenant la main

من أقسى المواقف الّتي تكشف حقيقة الصّداقة، أن تُظلم. أن تُساء سمعتك، أو تُتّهم بما لم تفعل، أو تُكسر صورتك أمام النّاس. هنا، يتحدّد الموقف بدقّة مؤلمة. فبعض الأصدقاء يختارون الحياد، والحياد في الظّلم خيانة ناعمة.

وبعضهم يصدّق الإشاعة ليبرر صمته. وبعضهم يخاف على صورته أكثر ممّا يخاف عليك.

أمّا الصّديق الحقيقي، فقد لا يملك القوّة لرفع الظّلم عنك، لكنّه يملك الشّجاعة ليقول: هذا غير صحيح.
قد يخسرك النّاس، لكنّه لا يخسرك أنت.

وقد يدفع ثمن موقفه، لكنّه لا يساوم على وفائه. وذلك لأنّ الصّداقة الحقيقيّة موقف، لا عاطفة عابرة.

الصّديق عند سقوطك

silhouette of two person sitting on chair near tree

حين تنجح، يصفّق لك الجميع. وحين ترتفع، يزاحمونك بالتّهاني. لكن حين تسقط، حين تخطئ، حين تفشل، حين تنكسر… هنا تقلّ الأيادي، وتبرد القلوب، ويقلّ الكلام.

الصّديق الحقيقي لا يشمت بسقوطك، ولا يتلذّذ بخطئك، ولا يستثمر ضعفك ليشعر بالقوّة. بل يكون نفسك الصّادقة: ينصحك دون قسوة، ويعاتبك دون إهانة، ويقف معك لا فوقك. لا يذكّرك بخطئك كلّما تحدّثتما، ولا يجعل من عثرتك مادّةً للسّخرية أو التّفوق الأخلاقي.
هو الّذي يقول لك الحقيقة، لا ليجرحك، بل لينقذك. وهو الّذي يبقى إلى أن تقف من جديد، لا إلى أن تهدأ العاصفة فقط.

الصّداقة والمصلحة

photo de silhouette de personnes

كثير من العلاقات تقوم على تبادل المنافع: ما دمت نافعاً فأنت مرغوب، وما دمت قادراً فأنت مرحّب بك، وحين تنتهي المصلحة، تنتهي العلاقة دون ضجيج، وكأنّها لم تكن.

الموقف الواحد الكاشف هنا، هو أن تنتهي قدرتك على العطاء. ألّا تعود مفيداً، ولا ذا نفوذ، ولا صاحب فضل. عندها، سيبقى القليل جدّاً. هؤلاء القلّة هم رصيدك الحقيقي في الحياة، وهم المعنى الحقيقي لكلمة “صديق”.

الصّديق الذي لا يطلب تفسيراً

femmes assises sur un rocher près d’un plan d’eau

الصّديق الحقيقي لا يطالبك دائماً بأن تكون قويّاً، ولا يفرض عليك أن تشرح ألمك، ولا يضجرك بالأسئلة حين تعجز عن الكلام. يفهم صمتك كما يفهم حديثك، ويقرأ ما بين كلماتك، ويترك لك المساحة لتكون إنساناً، لا بطلاً، في الموقف الصّعب، لا يثقل عليك باللّوم، ولا يزيد همّك همّاً، ولكن يخفف وجوده قبل كلامه، ويكون أماناً لا عبئاً.

لسنا بحاجة إلى سنوات طويلة لنكتشف النّاس، ولا إلى تجارب متكرّرة، ولا إلى مواقف لا تنتهي. موقفٌ واحدٌ صادق، في توقيتٍ قاسٍ، كفيل بأن يقول لنا كلّ شيء. من يستحقّ البقاء، ومن كان عابراً، ومن أحبّنا لذواتنا، ومن أحبّنا لما نمثّله.

الصّديق الحقيقي لا يكثر، لكنّه يكفي. لا يضجّ، لكنّه يطمئن. لا يتبدّل، لكنّه يثبت. وحين تجده، ستدرك أنّ الحياة مهما قست، تظلّ محتملةً بوجود شخص واحد يقف معك لا عليك.

فاحفظ هذا الدّرس جيداً يا صديقي:

ليس كلّ من سار معك صديقك، لكن من وقف معك حين تعبت، اختصر معنى الصّداقة.


اقرأ أيضًا:

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا

آخر فيديوهات القناة