من عالمٍ مكسور إلى أفقٍ جديد: ماذا تعلّمنا من عام الأزمات؟
ذات مرة، رأيتُ نافخَ زجاجٍ شابًّا في إسطنبول، لا يزال مبتدئًا في حِرفته، يُحطّم مزهرية جميلة وهو يُخرجها من الفرن. كان الحِرفيّ المعلّم يقف إلى جواره، فاكتفى بهزّ رأسه بهدوء وقال له عبارة لا تزال عالقة في ذهني حتى اليوم. قال:
«ضغطتَ عليها أكثر مما ينبغي، تركتها غير متوازنة، ونسيتَ أنها -هي أيضًا- لها قلب».
عام الضغط الزائد
العام الذي نودّعه كان، منذ بدايته، مثقلًا بالصعوبات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والتكنولوجية والمؤسسية، جاءت جميعها بسرعة وحِدّة لم نكد نستوعب أثرها في حياتنا، فضلًا عن أثرها في الأجيال القادمة. ومع تراكم الضغوط الناجمة عن التحولات الداخلية والجيوسياسية، لا أستطيع إلا أن أستعيد كلمات ذلك الرجل: ضغطٌ زائد. عالمٌ مضطرب، غارق في الشك والريبة، ومشحون بلا مساواة عميقة. كان هذا -على الأرجح- العام الذي نسينا فيه أن للأرض قلبًا. بل كان، بكل وضوح، عامًا انكسر فيه العالم.
انتخابات بلا مؤسسات حامية

من الإنصاف أن نقول إن المشكلات في عام 2025 لم تكن وليدة اللحظة؛ بل كانت موجودة وتتفاقم بالفعل. لكن كانت هناك أيضًا موجة قوية من التوقعات الإيجابية والحماسة العامة، مع توجّه أكثر من 1.6 مليار إنسان إلى صناديق الاقتراع في عام 2024، العام الأسبق. كان عامًا غير مسبوق من النشاط الديمقراطي المكثّف، وحافلًا بالوعود، والثقة المفرطة، والخطابات الحماسية. كثيرون أرادوا التعبير عن غضبهم وسخطهم، وقد فعلوا.
لكن هذا العام الانتخابي الهائل كشف أن الديمقراطية لا تقوم على صندوق الاقتراع وحده، بل على المؤسسات والأعراف التي تحيط به. اللغة مهمة، وطريقة حديثنا مع بعضنا مهمة. فالتراجع الديمقراطي يبدأ دائمًا بالكلمات. حين يُعامل الخصوم السياسيون بوصفهم «أعداء»، أو «أعداء الشعب»، يدفع النظام كله الثمن.
إنهاك عالمي ونظام يتفكك

خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، ساد شعور كبير بالإرهاق العاطفي والفكري عبر الحدود. ما اعتدنا تسميته «النظام الدولي الليبرالي» لم يعد يحمل الوزن نفسه. متصدّع، وعاجز عن إخفاء شقوقه، وهو يتفكك أمام أعيننا.
أزمات السكن، وغياب الإيجارات الميسورة، وتآكل فرص العدالة الاجتماعية والاقتصادية، كلّها قوضت الثقة. وفي الوقت نفسه، أسهم الانهيار المناخي، ومخاطر الذكاء الاصطناعي، والتهديدات التي تواجه التعددية، واحتمال جائحة جديدة، وتصاعد النزعة العسكرية والقومية، في ترسيخ الإحساس بأن النظام الذي نشأ من أنقاض الحرب العالمية الثانية قد بلغ نهايته. ومع إغلاق الربع الأول من هذا القرن في ظل عصر نووي جديد، انتشر الشك والريبة في كل مكان.
القلق الوجودي و«تعدد الأزمات»
في عام 2025، تعمّقت الانقسامات أكثر. وفي وقت تواجه فيه البشرية مشكلات كونية جسيمة، دُفعنا مجددًا إلى مربعات «نحن» و«هم».
قلق وجودي يستنزف الكثيرين منا شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا، صغارًا وكبارًا. قد يكون بعض الناس أبرع من بعض في إخفاء مشاعرهم، لكن خلف واجهات وسائل التواصل المصقولة، تتكشف حقيقة القلق المنتشر. خوف، وخيبة أمل، وإنهاك.
مصطلح جديد ظهر لوصف روح العصر: «تعدد الأزمات(polycrisis)». وأسوأ ما يمكن أن نفعله، أفرادًا وجماعات، هو الاستسلام للبلادة وفقدان الإحساس، والتعوّد على ألم الآخرين: في غزة، وفي السودان، وفي أوكرانيا. لهذا السبب تزداد أهمية الصحافة الجيدة والصادقة اليوم. كثير من المواد الصحفية التي نُشرت هذا العام لم تُظهر عمقًا واتساعًا لافتين فحسب، بل ساعدتنا أيضًا على البقاء منخرطين ومتصلين. وكانت، بهذا المعنى، ترياقًا للبلادة.
إنسانيتنا حين يُسمح لها بالبكاء
كانت هناك لحظات وجدانية أيضًا. في المملكة المتحدة، بكينا مجددًا على شجرة «سيكامور غاب»، وعلى الكراهية العبثية التي دفعت رجلين -أُدينا هذا العام- إلى قطع شجرة جلبت الفرح لسنوات طويلة.
ومن اللافت أن هذه العاطفة الإنسانية التي سُمح لنا بإظهارها حيال شجرة، حُجبت عن وزيرة المالية رايتشل ريفز حين التُقطت لها صورة وهي تبكي في مجلس العموم. التغطية الإعلامية كانت، إلى حد كبير، متحيزة ضد النساء. وكتبت أميليا جنتلمان مقالًا لاذعًا تتساءل فيه: لماذا تُعد دموع النساء في أماكن العمل مصدر خزي؟
وفي موضوع لا يقل حساسية، كتبت بولي توينبي بشجاعة عن الجدل بشأن قضية ما يعرف “بالموت الرحيم” للمرضى الميئوس من شفائهم.
قصص البشر لا أرقامهم

من أكثر المواد تأثيرًا هذا العام مقالٌ شاركت في كتابته ملك طنطش وإيما غراهام-هاريسون، عن يأس الآباء والأجداد في غزة وهم يشاهدون أطفالهم وأحفادهم بأجساد هزيلة، أنهكها الجوع حتى باتت عرضة لأبشع الأمراض: «واجهنا الجوع من قبل، لكن ليس هكذا».
وكتب دان صبّاغ عن أوكرانيا، مبرزًا الأثر المدمر للاحتلال والحرب على العائلات العادية، حيث قال أحدهم: «لم نكن نظن أن الحرب ستصل إلى قريتنا». إن تضخيم القصص الإنسانية يساهم في تفكيك الخطاب البارد والنخبوي الذي يحوّل البشر إلى أرقام.
الماء… قصة العصر المناخي

كشف تقرير حديث أن كابول قد تصبح أول مدينة حديثة تنفد منها المياه بالكامل، مع جفاف طبقاتها الجوفية بحلول عام 2030. أكثر من ستة ملايين شخص يعيشون في العاصمة الأفغانية.
وفي بريطانيا، يتصاعد الغضب الشعبي من شركات المياه التي تفرغ مياه الصرف في الأنهار. وفي أماكن أخرى، تموت الأنهار، إذ تضم منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا سبعًا من أصل أكثر عشر دول معاناة من شح المياه. أزمة المناخ هي، في جوهرها، قصة ماء، وأكثر من يدفع ثمنها النساء والأطفال والفقراء.
بارقة أمل وما يمكن إصلاحه
رغم كل ذلك، كانت هناك لحظات تبعث على الأمل. بل معجزات صغيرة، مثل لمّ شمل فرقة «أوايسس». وشهدنا عودة دافئة لنوادي القراءة وجلسات المطالعة. ومن اللافت أنه في زمن الاستهلاك السريع وفرط المعلومات، عاد كثير من الشباب إلى هوايات تقليدية. كأن تسارع العالم يجعل حاجتنا للتباطؤ، والتواصل، والتفكير، والرعاية أكثر إلحاحًا وشمولًا.
وفي الأرجنتين، استُعيدت لوحة من القرن الثامن عشر بعنوان «بورتريه لسيدة»، كانت قد سُرقت من جامع تحف يهودي على يد النازيين، بعد أن ظهرت مصادفة في إعلان عقاري. تنظر إلينا المرأة في اللوحة بهدوء، بثوبها المطرّز بالزهور؛ امرأة شهدت فظائع لا تُحصى، لكنها ما زالت صامدة ومفعمة بالحياة.
وكالعادة، تمنحنا الفنون والثقافة والأدب ملاذًا وبيتًا وإحساسًا بالجماعة. ويذكّرنا نافخو الزجاج بأنه حتى الزجاج الذي هو أكثر عرضة للتحطم يمكن صهره من جديد، وإعادة تشكيله وإحياؤه. كل شيء يبدأ بالاعتراف الصادق بما انكسر، وبالاستعداد لإصلاحه.
المصدر: الجارديان
اقرأ أيضاً
- كيف يواصل أهالي غزة الحياة بعد فقدان أطفالهم؟
- الجارديان: الأمم المتحدة تحذر من مجاعة كبيرة في السودان
- هل يستفيد المدنيون السودانيون من الاهتمام الدولي المتجدد ببلادهم؟
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇
