الآلاف من العمال اليمنيين أسهموا ببناء بريطانيا.. وما زالوا بلا معاشات
بعد أكثر من نصف قرن على مشاركتهم في إعادة بناء بريطانيا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لا يزال آلاف العمال اليمنيين الذين عملوا في المصانع والصلب والورش الثقيلة ينتظرون معاشاتهم التقاعدية، التي توقفت فجأة دون تفسير واضح، ما ترك كثيرين منهم وأسرهم في أوضاع معيشية بالغة القسوة.
القضية، التي تعود جذورها إلى سنوات طويلة، عادت إلى الواجهة مع استمرار شكاوى منظمات مجتمعية يمنية في بريطانيا من أن الوعود الحكومية بحل الأزمة لم تُترجم إلى واقع، رغم مرور سنوات على الاعتراف بوجود المشكلة.
معاشات توقفت مع الحرب… ولم تعد
وفقًا لتقرير نشر في موقع هايفن (Hyphen)، توقفت مدفوعات معاشات عدد كبير من العمال اليمنيين المتقاعدين، أو أراملهم، منذ نحو عام 2014، بالتزامن مع اندلاع الحرب في اليمن. وتُظهر السجلات أن بعض المدفوعات انقطعت حتى قبل ذلك بسنوات، أحيانًا دون إخطار مسبق أو توضيح رسمي.
وبرزت القضية بشكل علني مطلع عام 2022، حين أعلنت الحكومة البريطانية آنذاك أن المشكلة جرى حلها وأن المدفوعات ستُستأنف. غير أن راغب مفليحي، المدير التنفيذي لجمعية الجالية اليمنية في ساندويل، أكد أن الواقع على الأرض لم يتغير بالنسبة لكثيرين.
وقال مفليحي إن التعامل الحكومي مع الملف لا يزال بطيئًا ومجزأً:
«الأبواب مغلقة من قبل الحكومة البريطانية ومن قبل وزارة العمل والمعاشات البريطانية. لا نستطيع الوصول فعليًا إلى خدمات المعاشات».
ليست حالات فردية… بل نمط متكرر

يشدد قادة الجالية اليمنية على أن المشكلة لا تتعلق بحالات فردية معزولة، بل بنمط أوسع من التعقيد الإداري وانقطاع التواصل.
ويشير مفليحي إلى أن الجهات الرسمية تنظر إلى كل ملف على حدة، بينما الواقع مختلف تمامًا:
«يقولون إنهم تواصلوا مع المستفيدين، لكن كيف يتم إرسال رسائل إلى بلد يعيش حربًا؟ أو إلى أشخاص لا يملكون بريدًا إلكترونيًا أصلًا؟».
ويضيف أن غالبية المتضررين هم من الجيل الذي هاجر إلى بريطانيا في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وعمل في ظروف خطرة، وتعرض بعضهم لإصابات جسيمة أو فقدان أطراف، قبل أن يعودوا إلى اليمن للتقاعد وهم يعتقدون أن معاشاتهم ستستمر.
أرامل بلا أوراق… وبلا دخل
تفاقمت الأزمة مع وفاة عدد كبير من العمال، إذ انتقلت المعاشات – قانونيًا – إلى أراملهم، لكن كثيرات فقدن لاحقًا حق الوصول إليها. ويعود ذلك، بحسب النشطاء، إلى عجز الأرامل عن استيفاء متطلبات التحقق التي تفرضها السلطات البريطانية.
توضح فاتن يافعي، التي تعيش عمتها نعمة غالب في قرية ريفية بمحافظة تعز، أن معاش زوج عمتها كان يُصرف بعد وفاته، ثم توقف فجأة دون تفسير. وتضيف:
«لا أحد شرح لهم فعليًا أين تكمن المشكلة أو كيف يمكن حلها. الأمر محبط للغاية».
ويشير قادة المجتمع إلى أن كثيرًا من الأرامل لم يسبق لهن التعامل مع مؤسسات بريطانية، ولا يمتلكن وثائق مثل أرقام التأمين الوطني أو تفاصيل رسمية أخرى كانت محفوظة لدى أزواجهن.
متطلبات مستحيلة في بلد منهك
![]()
تزداد الصعوبات مع غياب سفارة بريطانية في اليمن، واضطرار بعض المتقاعدين أو أسرهم للسفر إلى دول أخرى مثل مصر أو الإمارات لاستكمال إجراءات التحقق.
يقول مفليحي:
«إذا كنت تتقاضى معاشًا محدودًا، فإن تكلفة السفر وحدها قد تلتهم قيمة المعاش لسنوات».
كما يشير هاشم أحمد، رئيس جمعية الجالية اليمنية في برمنغهام، إلى أنه يتابع شخصيًا عشرات الحالات، يعود بعضها إلى ما يقرب من عشر سنوات. ويوضح أن الحكومة البريطانية كانت ترسل سابقًا ما يُعرف بـ«شهادة الحياة» كل بضع سنوات، تُوقَّع من طبيب محلي في اليمن، وكانت تُقبل رسميًا.
لكن هذا الإجراء لم يعد معتمدًا، وأصبحت بعض العائلات تُطالَب بإجراء مكالمات هاتفية مباشرة مع مسؤولين بريطانيين.
«تخيّل امرأة في الثمانين من عمرها لا تتحدث الإنجليزية، يُطلب منها التحدث هاتفيًا لإثبات أنها على قيد الحياة»، يقول أحمد.
خسائر إنسانية صامتة
النتائج، بحسب النشطاء، كانت قاسية. فقد توفي بعض المستحقين قبل حل ملفاتهم، بينهم أرملة عامل في قطاع الصلب توفيت العام الماضي دون أن تُستعاد مستحقاتها.
في المقابل، تقول وزارة العمل والمعاشات إن تعليق المدفوعات يعود إلى عدم استقرار النظام المصرفي في اليمن، والعقوبات الدولية، ومخاوف من الاحتيال، إضافة إلى صعوبة التحقق من هوية المستفيدين وضمان وصول الأموال إليهم.
وأكد متحدث باسم الوزارة أن الحكومة «تعمل مع بنوك محلية وبنك سيتي لإيجاد آليات آمنة لاستئناف المدفوعات، سواء باليورو أو بالعملة المحلية».
دور تاريخي غائب عن الذاكرة
تشير منصة العرب في بريطانيا (AUK) إلى أن قضية العمال اليمنيين المتقاعدين تكشف فجوة إنسانية وإدارية لا يمكن اختزالها في اعتبارات تقنية أو أمنية فقط، بل تستدعي مقاربة استثنائية تراعي ظروف الحرب، والبعد الزمني لهجرة هؤلاء العمال، ودورهم التاريخي في الاقتصاد البريطاني. فاستمرار تأجيل الحل لا يعني فقط تأخير مدفوعات، بل تعميق معاناة جيل كامل ساهم في بناء البلاد ثم غاب عن الذاكرة المؤسسية.
المصدر: هايفن
اقرأ أيضاً
الرابط المختصر هنا ⬇
