العرب في بريطانيا | مدرسة في برمنغهام تساعد أطفالًا نازحين على تعلّ...

مدرسة في برمنغهام تساعد أطفالًا نازحين على تعلّم الإنجليزية بسرعة

IMG-20260122-WA0044
محمد سعد January 22, 2026
شارك

بالنسبة للأطفال الذين يصلون إلى بريطانيا هربًا من الحروب والنزاعات، لا يبدأ الاندماج من بوابة الإقامة أو الإجراءات القانونية، بل من الفصل الدراسي. فاللغة هنا ليست مجرد أداة تواصل، بل مدخل أساسي إلى عالم جديد على هؤلاء الأطفال، وخطوة أولى نحو الاستقرار بعد تجارب نزوح قاسية وانقطاعات طويلة عن الدراسة.

فصل دراسي بلغات متعددة

فصل دراسي لتعليم اللغة الإنجليزية للأطفال.

في إحدى حصص صباح الثلاثاء داخل مدرسة ثانوية في برمنغهام، يتعلّم أطفال وصلوا حديثًا إلى بريطانيا أساسيات التحية باللغة الإنجليزية. يعرّف الطلاب بأنفسهم وببلدانهم الأصلية: غزة، اليمن، أفغانستان، غامبيا، وغيرها. معظمهم فرّ من الحرب أو الاضطهاد، ولا يتحدث الإنجليزية إلا بقدر محدود، أو لا يتحدثها على الإطلاق.

مدرسة سيتي أكاديمي (City Academy) في وسط برمنغهام تشغّل برنامجًا مكثفًا لمدة 12 أسبوعًا، يهدف إلى تزويد هؤلاء الأطفال بالمهارات الأساسية في اللغة الإنجليزية قبل انتقالهم إلى التعليم النظامي. ويشكّل الطلاب الذين يتحدثون الإنجليزية كلغة إضافية نحو نصف عدد طلاب المدرسة، البالغ 600 طالب، فيما تُستخدم 52 لغة مختلفة داخل الفصول.

يقول أمر الله، 12 عامًا، في تقرير لقناة آي تي في نيوز (ITV News): «عندما جئت إلى هنا في البداية، كان الأمر قاسيًا. لم أكن أفهم اللغة ولا ما يقوله الناس». وأمر الله، وهو طالب في الصف السابع، التحق بالمدرسة هذا الخريف بعد فرار عائلته من أفغانستان عقب سيطرة طالبان، ووصولهم إلى بريطانيا على متن طائرة عسكرية. ويضيف: «ساعدوني على القراءة والكتابة، والآن لغتي الإنجليزية أفضل بعشر مرات».

 اللغة بوابة للاندماج

برنامج «كور هاللو Core Hello» التابع لمؤسسة كور التعليمية (Core Education Trust) أُطلق عام 2021، بعد استقبال مدارس برمنغهام طلابًا قدموا إلى بريطانيا عقب سيطرة طالبان على أفغانستان، ثم لاحقًا أطفالًا لاجئين من أوكرانيا. ويستفيد من البرنامج نحو 250 طالبًا من أربع مدارس في المدينة، بدعم من مختصين في تعليم الإنجليزية كلغة إضافية.

ولا يقتصر البرنامج على تعليم اللغة فحسب، بل يركّز أيضًا على الاندماج الاجتماعي، من خلال تنظيم زيارات إلى وسط المدينة لمساعدة الطلاب على التكيّف مع الحياة اليومية، مثل تعلّم التسوق أو استخدام المكتبة. ويتذكر أمر الله، الذي يحلم بأن يصبح طبيبًا، لحظة تعرّفه للمرة الأولى على جهاز الدفع الذاتي في أحد المتاجر الكبرى، بوصفها تجربة مبهجة.

تجارب مختلفة… هدف واحد

يهدف البرنامج لدمج الأطفال في برامج التعليم وفي المجتمع

من بين المشاركين في الدورة المكثفة، فاتو، 15 عامًا، من غامبيا، وتدرس في الصف العاشر. تقول: «لم أكن قد دخلت مكتبة من قبل، لكنهم شرحوا لي ماذا أفعل هناك. زرنا أيضًا المسرح والمركز المدني». وفاتو، التي تتحدث خمس لغات، وصلت إلى بريطانيا عام 2024 مع والدها بهدف تحسين لغتها الإنجليزية.

أرقام تعكس تحوّلًا داخل المدارس

تشير تحليلات مؤسسة بيل إلى أن عدد الطلاب في إنجلترا الذين يتحدثون الإنجليزية كلغة إضافية ارتفع من أقل من 500 ألف طالب، أي 7.6 في المئة من إجمالي الطلاب عام 1997، إلى 1.68 مليون طالب، بنسبة 20.5 في المئة عام 2023. وتتصدر لندن، وويست ميدلاندز، وشمال غرب إنجلترا، المناطق التي تضم مدارس تزيد فيها نسبة هؤلاء الطلاب على 50 في المئة.

وتحذّر ديانا ساتون، مديرة مؤسسة بيل، من أن بعض المدارس تتردد في استقبال طلاب لا يتحدثون الإنجليزية، خوفًا من عدم القدرة على دعمهم بالشكل الكافي أو من تأثير ذلك على نتائج المدارس، في وقت أصبحت فيه الفصول متعددة اللغات واقعًا يوميًا، بينما يشعر المعلمون بنقص الدعم والاستعداد بسبب تقليص التمويل.

الإقامة المؤقتة… عائق أمام التعليم

يشكّل السكن غير المستقر عائقًا إضافيًا أمام تعليم الأطفال النازحين. وتوضح ساتون أن بعض الأطفال الأكثر هشاشة يعلقون في فنادق اللجوء لفترات قد تصل إلى عام كامل، من دون الحصول على مقعد دراسي.

ويقول راج مان، المدير التنفيذي لمؤسسة كور التعليمية، إن كثيرًا من طلابه أقاموا في فنادق تابعة لوزارة الداخلية، وإن التنقل المفاجئ بين أماكن الإقامة يربك مسارهم التعليمي. «نحن نوفر لهم قدرًا من الاستقرار»، يقول مان، مشيرًا إلى أن بعض الأسر تُنقل مرتين أو ثلاث مرات في الشهر، وأن أحد الطلاب بات يقضي ثلاث ساعات يوميًا في التنقل بالحافلات للوصول إلى المدرسة.

ولا يقتصر الدعم على الطلاب وحدهم، إذ تمتد جهود المدارس إلى مساندة العائلات، رغم صعوبة العمل في ظل الإقامة المؤقتة.

فجوة بين الحق القانوني والواقع

يتمتع جميع الأطفال في بريطانيا بحق قانوني في التعليم، مع هدف رسمي يقضي بتوفير مقعد دراسي للأطفال طالبي اللجوء غير المصحوبين بذويهم خلال 20 يومًا. غير أن هذه الأهداف لا تتحقق في كثير من الحالات. ووفق المجلس البريطاني للاجئين (Refugee Council)، ينتظر العديد من الأطفال أكثر من ثلاثة أشهر للحصول على مقعد دراسي، ويصل انتظار بعضهم إلى عام كامل، خاصة في المرحلة الثانوية، بسبب التنقل غير المنسق بين أماكن الإقامة.

تمويل محدود وضغوط متزايدة

تتلقى المدارس تمويل إضافيا للطلاب الذين لا يتحدثون الإنجليزية.

تتلقى المدارس في إنجلترا تمويلًا إضافيًا للطلاب الذين لا يتحدثون الإنجليزية كلغة أولى. وتشير أرقام وزارة التعليم إلى أن إجمالي هذا التمويل ضمن الصيغة الوطنية لعامي 2026 و2027 يبلغ 572 مليون باوند، أي 1.1 في المئة من الميزانية الوطنية للتعليم. وتحصل المدارس الابتدائية على 610 باوند لكل طالب لمدة ثلاث سنوات، مقابل 1630 باوند للمدارس الثانوية.

غير أن هذا التمويل غير مخصص حصريًا، ولا يُحتسب إلا للطلاب المسجلين في بداية العام الدراسي، وفق تعداد تشرين الأول/أكتوبر، ما يعني أن الأطفال الذين يصلون منتصف العام لا تستفيد مدارسهم من أي دعم إضافي، فتتحمل المدارس التكلفة بنفسها.

في مدرسة أوايسيس أكاديمي أسبينال (Oasis Academy Aspinal) في مانشستر، يصل ما بين 25 و30 طالبًا إضافيًا سنويًا من دون تمويل مقابل. وتقول مديرة المدرسة، أنجيلا سويتينغ، إن المدرسة تضطر إلى تمويل الزي المدرسي والغذاء والأجهزة اللوحية قبل الحصول على التمويل في العام التالي، مطالبة بأن يكون التمويل فصليًا لا سنويًا. وتشير إلى أن التكنولوجيا تساعد في ترجمة الدروس إلى لغة الطلاب الأصلية، خصوصًا في المناطق التي تستقبل أعدادًا كبيرة من اللاجئين وطالبي اللجوء.

تحذيرات نقابية

تؤكد النقابات التعليمية أن دمج الأطفال النازحين أمر حيوي، وأن الفشل في ذلك قد يؤدي إلى تبعات اجتماعية ونفسية ولغوية خطيرة. ويحذّر مات وراك، الأمين العام لنقابة المعلمين، من أن حقوق الأطفال النازحين «غالبًا ما تُهمل»، مشيرًا إلى أن الدعم المخصص للطلاب الذين يتحدثون الإنجليزية كلغة إضافية تراجع على مدى عقود، مع انخفاض حاد في أعداد المعلمين المتخصصين.

بدوره، يقول مايك شورت، المسؤول النقابي عن ملف التعليم، إن الضغط على خدمات الصحة النفسية يجعل من الصعب توفير دعم كافٍ للأطفال الذين تعرضوا لصدمات، مضيفًا أن جهود العاملين في المدارس، رغم أهميتها، لا يمكن أن تعوّض غياب الدعم المتخصص.

التعليم بين المبادرات والتمويل

تشير منصة العرب في بريطانيا (AUK) إلى أن تجربة مدارس برمنغهام تكشف فجوة متزايدة بين المبادرات المحلية التي تحاول سد احتياجات الأطفال النازحين، والإطار التمويلي والسياسي العام الذي لا يزال عاجزًا عن مواكبة التحولات الديمغرافية داخل المدارس. فبينما تتحول الفصول متعددة اللغات إلى واقع دائم، يبقى مستقبل هذه الجهود مرهونًا بقدرة السياسات التعليمية على الانتقال من الاستجابة المؤقتة إلى التخطيط طويل الأمد، بما يضمن أن يكون التعليم أداة اندماج حقيقية، لا مجرد محطة انتظار أخرى.

المصدر: أي تي في نيوز


اقرأ أيضآ

اترك تعليقا