ما الذي نملكه فعلًا في هذا العالم الرقمي؟
لسنواتٍ طويلة، اعتقدنا أن الامتلاك في الفضاء الرقمي يُقاس بالأرقام:
بعدد المتابعين، وحجم التفاعل، وسرعة الانتشار، وبالمنشورات التي تحصد آلاف الإعجابات خلال دقائق.
كبرت الحسابات، وتضخّمت الصفحات، وبدا وكأننا نمسك العالم من شاشةٍ صغيرة في أيدينا.
لكن سؤالًا بسيطًا ظلّ مؤجَّلًا، لا نطرحه إلا حين نتعرّض للاختبار الحقيقي:
هل ما بين أيدينا ملكٌ لنا فعلًا… أم أننا مجرّد ضيوف مؤقتين في منصّات يملكها غيرنا؟
في هذا العالم الرقمي الواسع، تتغيّر القواعد دون إنذار، وتُعاد صياغة الخوارزميات دون استشارة، وتُخفَّض الأصوات أو تُرفَع بقرار لا نعرف مصدره ولا منطقه. يكفي أحيانًا أن يتغيّر مالك منصة واحدة — كما حدث ويحدث مع تيك توك — حتى تتبدّل السياسات، وتتغيّر خريطة الوصول، وتُعاد كتابة قواعد الانتشار من جديد.
ما كان يصل إلى مئات الآلاف بالأمس، قد لا يصل اليوم إلا إلى دائرة ضيّقة، لا بسبب ضعف المحتوى، بل لأن «المنصّة قرّرت ذلك». حسابات تُجمَّد، ومقاطع تُخفى، وسرديّات تُعاد فلترتها، في مشهدٍ يذكّرنا بأننا، مهما كبر حضورنا هناك، نظل نتحرّك داخل مساحة لا نملك مفاتيحها.
وحين يحدث ذلك، لا تنفع الاحتجاجات، ولا يشفع التاريخ، ولا تُحتسب النوايا.
لسنا هنا لتشيطن وسائل التواصل الاجتماعي، ولا للدعوة إلى مقاطعتها. فهي أدوات مؤثّرة، ومساحات انتشار مهمّة، ومنابر ساعدتنا — رغم كل شيء — على الوصول إلى الناس، ونقل الرواية، وكسر الاحتكار الإعلامي في كثير من اللحظات المفصلية.
لكن الإشكال يبدأ حين تتحوّل الوسيلة إلى بديل، والمنصّة إلى أصل، والنافذة إلى بيت.
فما يُبنى على أرضٍ لا نملكها، يبقى معرّضًا للإزالة في أي لحظة.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس:
كم عدد متابعينا؟
بل: أين يقف مشروعنا إن أُغلِقت الأبواب فجأة؟
هنا، تحديدًا، تبرز قيمة الموقع الإلكتروني، لا بوصفه تفصيلًا تقنيًا، بل باعتباره المساحة الوحيدة التي نمتلكها فعلًا. المساحة التي لا تخضع لخوارزمية متقلّبة، ولا تُقاس فيها القيمة بعدد «الإعجابات»، بل بعمق المحتوى، وصدق الرسالة، وثقة القارئ.
الموقع الإلكتروني هو الذاكرة التي لا تُمحى، والأرشيف الذي لا يختفي، والبيت الذي نعود إليه مهما تغيّرت الطرق.
ولهذا، فإن دعم أي منصّة إعلامية — ومنها منصّة العرب في بريطانيا — لا يتحقّق فقط عبر متابعة حساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي، رغم أهمية ذلك، بل يصبح أعمق وأصدق حين يحرص القارئ على متابعتها من خلال موقعها الإلكتروني.
حين تدخل إلى الموقع، وتقرأ المادة كاملة، وتتصفّح الأقسام، وتقضي وقتًا حقيقيًا بين مواده، فإنك لا تطّلع على خبرٍ فحسب، بل تُسهم في تعزيز حضوره الرقمي، ورفع تصنيفه في محركات البحث، وتثبيت مكانته كمصدر موثوق ومستقل.
محركات البحث لا ترى «الترند»، بل ترى الاستمرارية،
ولا تقيس الضجيج، بل تقيس الثقة.
بل إن المفارقة اللافتة اليوم أن أدوات الذكاء الاصطناعي نفسها، التي بات كثيرون يعتمدون عليها في البحث والتحقّق، لا تستند إلى منشورات السوشيال ميديا كمراجع أساسية، وإنما تُرشّح المواقع الإلكترونية ذات المصداقية، والتحديث المنتظم، والمحتوى المؤرشف.
أي إن الموقع لم يعد فقط وسيلة نشر، بل أصبح مرجعًا رقميًا عامًا.
من هنا، تبقى وسائل التواصل الاجتماعي جسور عبور، لكنها ليست الضفّة،
وقنوات وصول، لكنها ليست الينبوع.
الينبوع الحقيقي هو الموقع الإلكتروني؛
هو المصدر الذي يرفد كل المنصّات الأخرى بالمحتوى، والرؤية، والرواية المتماسكة.
ولهذا، فإن قضاء وقتٍ أطول في تصفّح الموقع، والعودة إليه باستمرار، ومشاركة روابط مواده، هو شكل من أشكال الدعم الفعلي الذي يصنع فارقًا حقيقيًا؛ لا يظهر فورًا، لكنه يبني أثرًا طويل المدى.
في عالمٍ نعرف تمامًا من يملك منصّاته الكبرى، يصبح امتلاك موقعنا الإلكتروني ليس ترفًا رقميًا، بل ضرورة إعلامية، وضمانة استقلال، واستثمارًا في البقاء.
قد ننتشر عبر السوشيال ميديا…
لكننا لا نثبت إلا حيث نملك الأرض.
وهنا فقط، يبدأ الجواب.
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇



