ثقافة التّخطيط المفقودة: لماذا لا نحجز للمستقبل؟
بينما كنت بالأمس أتصفّح الإنترنت، وأقرأ كالعادة، إذ بي أرى خبرًا غريبًا ومثيرًا في آنٍ واحد:
بعض النّاس حول العالم بدأوا منذ الآن بحجز رحلاتهم لعام 2027، لحضور كسوفٍ كليٍّ للشّمس سيظهر في عددٍ من البلدان.
أجل، من الآن! تذاكر، وحجوزات، واستعدادات، وخطط… لأربع سنواتٍ قادمة!
استوقفني الخبر طويلًا، ثم وجدت نفسي أبتسم بدهشةٍ خفيفةٍ ممزوجةٍ بتساؤلٍ عميق:
هل هناك فعلًا من يُفكّر بهذه الطريقة؟
هل يمكن للإنسان أن ينظر إلى الغد بهذه الطّمأنينة، فيحجز مكانه في يومٍ لم يولد بعد؟
وسألت نفسي بصوتٍ داخليٍّ يكاد يسمعه القلب أكثر من الأذن:
وهل نحن -أبناء هذه المنطقة المرهقة بالحروب والخذلان والمفاجآت- فكّرنا يومًا أن نحجز للمستقبل؟
أن نخطّط لشيءٍ بعد عام أو عامين، لا بترفٍ ولا بخيالٍ، بل بثقةٍ بأنّ الغد قادمٌ حقًّا؟
نحن الّذين تعوّدنا أن نعيش اليوم بيومه، بل السّاعة بساعةٍ، نستيقظ على أخبارٍ لا تشبه الأمس، وننام على قلقٍ لا يشبه الغد.
صرنا نحسب أن الأمان رفاهيّةٌ، وأنّ التّخطيط ترفٌ لا يليق بمن يعيش على حافة المجهول.
حين قرأت عن أولئك الّذين حجزوا لعام 2027، شعرت أنّ المسألة ليست عن كسوفٍ أو خسوفٍ فحسب، إنّما عن نظرةٍ للحياة، وعن إيمانٍ بالمستقبل، وعن ثقافةٍ تُقدّر الزمن وتُعطيه حقّه.
هم يؤمنون أن الغد يستحقّ أن يُنتظر، وأنّ الطّبيعة تحمل مشهدًا يستحقُّ أن يُشاهد من تحت سماءٍ هادئة.
أمّا نحن، فكثيرًا ما نعيش وكأنّ الغد غير مضمون، فنُطفئ أحلامنا مبكرًا، ونُرجِئ الفرح إلى إشعارٍ آخر لا يأتي.
وفي بريطانيا مثلًا، تُحجز تذاكر العروض والمهرجانات قبل عامٍ أو عامين، في مشهدٍ يعكس ثقةً بالاستقرار وطمأنينةً للمستقبل، كأنّ الغد صفحةٌ واضحة المعالم يمكن ترتيب تفاصيلها بدقّة.
في حين لا يزال كثيرٌ منّا -من أبناء الجاليات العربيّة- يتعاملون مع الغد كاحتمالٍ لا كوعد، فنعيش بثقافة “الآن”، نخطّط للحظة ونترك المستقبل على أمل أن يتكفّل به القدر.
وربّما بين هاتين الثقافتين، يضيع كثير من الأحلام التي كان يمكن أن تتحقق لو آمنّا أنّ الغد يستحقّ أن نعدّ له.
سألت نفسي بعد ذلك:
هل فكّرنا أن نحجز لأنفسنا مكانًا في المستقبل؟
ليس تذكرة طيرانٍ ولا غرفةً في فندق ولا مقعدًا لمشاهدة حدثٍ كونيّ، بل ربّما مساحة من الأمل، أو موعدًا مع إنجازٍ، أو وعدًا مع ذاتنا أن نكون بخير بعد سنوات؟
هل فكّرنا أن نحفظ لأنفسنا شيئًا لأجل الغد؟
دفترًا صغيرًا نكتب فيه: “في عام 2027 سأكون كذا، سأحقّق كذا، سأرى كذا…”؟
أم أنّ كلّ ما بنيناه كان على رمال اللّحظة، مبنيًّا على كلمات مثل “لننتظر ونرى”، و”ما حدا بيعرف شو بصير”؟
في مجتمعاتٍ اعتادت العيش في الأزمات، يصبح الحاضر عبئًا والمستقبل غموضًا.
نحن نُجبر على أن نعيش على مقاس اليوم فقط، نُسرف في الحذر، ونبخل في التّخطيط، حتّى باتت كلمة “غدًا” تثير فينا الخوف أكثر ممّا تبعث الأمل.
لكن أليس من حقّنا أن نحلم أيضًا؟
أن نحجز لأنفسنا مكانًا في الحياة القادمة، ولو لم نعرف يقينًا إن كنّا سنصل، فمجرّد التّفكير بالمستقبل يعني أنّنا ما زلنا نحيا، وأنّنا لم نستسلم بعد لزمنٍ سرق منّا أحلامنا الصّغيرة.
لقد علّمتني تلك اللّحظة -وأنا أقرأ عن حجزهم لعام 2027- أنّ الحياة لا تنتظر من يرضى بالجمود، وأنّ الإيمان بالمستقبل ليس سذاجةً، بل هو شجاعة.
الشّجاعة في أن تقول: “أنا أؤمن أن هناك غدًا يستحقّ أن أستعدّ له”.
فربّما علينا أن نتعلّم من أولئك الغرباء شيئًا واحدًا:
أن نحجز للمستقبل ولو في قلوبنا، وأن نزرع فكرة، أو نبدأ مشروعًا، أو نحلم بلقاءٍ، وأن نكتب لأنفسنا رسالةً مؤرخةً بعام 2027، ونقول فيها: “أتمنى أن أراك بخير، يا أنا، ولو تغيّر كل شيء”.
نحن بحاجة لأن نحلم ولو قليلًا، أن نرفع رؤوسنا من بين الرّكام وننظر إلى الشّمس، لا إلى ظلّها.
فليس المهمّ أن نرى الخسوف أو الكسوف، بل أن لا ينخسف فينا النّور.
عام 2027 قد يبدو بعيدًا، لكنّه ليس إلّا رمزًا لشيءٍ أعمق:
هل سنظلّ نعيش على هوامش اللّحظة، أم سنبني لنا زمنًا نحلم أن نصل إليه؟
فليكن لكلٍّ منّا حجزٌ خاصّ في المستقبل، ليس لحدثٍ سماويٍّ.. بل لحلمٍ إنسانيٍّ، لحياةٍ أقلّ خوفًا، وأكثر إيمانًا بأنّ الله لا يترك الّذين يؤمنون بالنور، ولو مرّوا في عتماتٍ كثيرة.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇