كيف يحاول الفلسطينيون إنقاذ غذائهم وسط الدمار
ركض أخي الأصغر مازن، ابن الثانية عشرة، إلى المطبخ وهو يصرخ بأن شتلات الباذنجان بدأت تُنبت. كان يرفع البراعم الخضراء الصغيرة بيدين مرتجفتين، كأنه يحمل خبرًا أكبر من حجمهما. أسرع أخي الأكبر محمد وأنا إلى الخارج، نضحك رغم الخوف الذي صار ظلًّا ملازمًا لنا. في غزة، كانت كل نبتة جديدة أشبه بانتصار صغير في معركة إنقاذ الغذاء.
قبل أن تظلم سماء غزة بالدخان وتهتز الأرض تحت وقع القنابل، كانت حديقتنا نسيجًا أخضر غنيًا من الأشجار والنباتات، كل ورقة وغصن فيها منسوج في ذاكرة عائلتنا. كانت الطيور ترقص فوق الأغصان. خمس شجرات زيتون عتيقة وقفت شامخة، جذوعها ملتوية صقلتها الشمس والرياح، وأغصانها مثقلة بحبات الزيتون السوداء والخضراء. أما أشجار الفاكهة فكانت تملأ الجو حلاوة: برتقال، وليمون، وشجرة التين ذات الأوراق الكبيرة وكليمنتين صغيرة.
نبتة باذنجان تنمو رغم الحصار

في خضم القصف الإسرائيلي، أقدم أخي محمد ووالدي على فعل صغير لكنه عميق الدلالة، فعل أشبه بالتمرد. قررا أن يزرعا، وأن يوسّعا محاصيلنا القليلة. اشتريا شتلات وبذورًا من مزارع محلي كان يعتني برقعة خضراء نادرة ويبيع نباتات يزرعها في أرضه. اشتريا 30 بذرة ذرة مقابل 15 شيكلًا، أي نحو 5 دولارات؛ وثلاث شتلات فلفل بسعر دولارين للشتلة الواحدة؛ وشتلتي باذنجان؛ وساقين لكل من النعناع والريحان وعين الجرادة (نبتة محلية معروفة برائحتها الزكية) والجرجير، وكل ذلك مقابل دولار واحد؛ إضافة إلى أربع بذور بطاطا.
حين حلّت الإبادة، دمّرت المباني، واجتاحت الأسواق، وعطّلت سلاسل التوريد، ورفعت الأسعار إلى مستويات لا تُطاق. صار الطعام رفاهية، وتحول الفعل البسيط المتمثل في الأكل إلى صراع يومي. كان ثقل الجوع فادحًا، يحتل كل زاوية من حياتنا، يذكّرنا باستمرار بما نفتقده وبمدى عجزنا في كثير من الأحيان.
وضع والدي وأخي كل نبتة بعناية، وغطّيا جذورها بالتراب، وضغطا بلطف لتثبيتها في مكانها. كانت البذور مقامرة في وجه المستحيل، واختبارًا للإيمان بأن الحياة يمكن أن تزدهر حتى الآن. قال والدي وهو يضغطها برفق في التربة: الزراعة تعني أن تؤمن بالغد.

كانا يحملان دلاء ثقيلة من الماء من مسافة تزيد على 200 متر، من حيث كان الجيران يصطفون في طوابير لملء الأوعية. الماء، الذي كان يومًا متوافرًا من الصنابير البلدية، أصبح كنزًا يُنتزع بشق الأنفس.
كان العمل مرهقًا. الحرارة تضرب بلا رحمة. ورغم الدوار والإعياء، كانا يومًا بعد يوم يسقيان النباتات ويعتنيان بها ويزيلان العوائق، لتتمكن الشتلات من التمدد نحو الشمس. كانت كل قطرة ماء فعل مقاومة صغيرًا.
أما نباتات مثل الطماطم أو الخيار، التي تحتاج إلى بيوت بلاستيكية واقية («حمّامات») لتتمكن من الصمود في وجه الحصار الإسرائيلي الخانق على غزة، فقد فشلت بالفعل. كان ممر الحديقة مملوءًا بقصص المعاناة. يؤلم قلب أخي حين يتذكر شتلة مانجا، اعتنى بها لمدة 10 أشهر. شقّ البذرة، نقعها، لفّها لأسبوع، ثم بعد أن رأى البرعم، زرعها. ولمدة شهرين، سقاها بعناية. لكن الإبادة أجبرت عائلتنا على النزوح إلى رفح. وعندما عدنا بعد خمسة أشهر، كانت شتلة المانجا قد ماتت.
لذلك اختار والدي وأخي نباتات تحتاج إلى عناية أقل – نباتات يمكنها الصمود حتى في أقسى الظروف.

وكانت الذرة مفاجأتنا الأجمل. ثلاثون حبة، بدأناها كبذور فشار، فإذا بها تنمو سيقانًا خضراء عالية وصل ارتفاعها إلى مستوى الصدر. وبين تلك السيقان، شعرت بفخرٍ صامت.
على الرغم من قسوة الظروف وشحّ المياه واستمرار الخطر، استطاع كل نبات أن ينمو، مانحًا لنا طعامًا وشعورًا بالإنجاز وسط الخراب.
ثم جاء دور البطاطا. حصدناها، مسلوقة أو مقلية، فصارت وجبة يزداد طعمها غنى لأنها من أرضنا. شربنا شاي النعناع الطازج. وأضاف الجرجير وعين الجرادة نكهة لاذعة وفلفلية إلى سلطاتنا.
اليوم، بينما ينهش الشحّ حياتنا ويتواصل العدوان الإسرائيلي، حتى خلال ما يُفترض أنه وقف لإطلاق النار، لا تزال الحديقة تتنفس حياة. هي مزيج من سكان قدامى – أشجار التين والبرتقال والليمون والزيتون – ومحاصيلنا الجديدة. في أرض أنهكتها الإبادة، تواصل الحديقة البقاء، ورقةً تلو أخرى، وجذرًا تلو جذر. إنها سجل للصمود والتمرد الصامت.
المصدر: الغارديان
إقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
