كيف “تلاعب” ستارمر بمعارضيه داخل حزب العمال؟ كتاب “الخداع” يروي القصة كاملة
قبل ثلاث سنوات، كشفت سلسلة تقارير “ملفات حزب العمال” التي بثّتها شبكة الجزيرة عن الوجه الخفي داخل الحزب، مسلطة الضوء على عنصرية جناحه اليميني وقسوته وولعه بالصراعات الفئوية، إضافة إلى استغلاله الممنهج لقضية معاداة السامية لتدمير زعيم الحزب السابق جيريمي كوربن.
ورغم ضخامة ما كشفته السلسلة، تجاهلتها وسائل الإعلام البريطانية تجاهلًا تامًا. ومنذ ذلك الوقت، توالت الأدلة والكتب التي لم تكتفِ بتأكيد ما ورد في تلك السلسلة، بل وسّعت نطاقه وكشفت أبعادًا أعمق مما عرضته الجزيرة.
فقد أصدر المحامي مارتن فورد (KC) تقريرًا رسميًا حول التنمر والعنصرية داخل حزب العمال، وهو التقرير الذي كلّفه بإعداده الزعيم الحالي كير ستارمر. أعاد التقرير صدى ما ورد في وثائقي الجزيرة إلى حد كبير، حتى إن فورد نفسه صرّح بأنه كان “مفتونًا” بما عرضته السلسلة.
وفي كتابهما اللافت “Get In”، قدّم صحفيا The Times غابرييل بوغروند وباتريك ماغواير رواية متطابقة تقريبًا، واصفا صعود ستارمر إلى قيادة الحزب بأنه “خداع كبير… مؤامرة غير مسبوقة في تاريخ حزب العمال”.
واليوم، يعود الصحفي بول هولدن في كتابه الجديد “The Fraud” (الخداع) ليقدّم أكثر الصور وضوحًا وقسوةً لذلك المشروع السياسي الذي يتباهى بواقعيته لكنه يفتقر – كما يقول – إلى أي مضمون أخلاقي أو فكري.
وثائق حصرية تكشف خداع قيادة حزب العمال
يصدر الكتاب في وقت تتكشف فيه تصدعات ما يُعرف بـ”الستارمرية” ويتسارع انهيارها. ويكشف هولدن أن ما يُقدَّم كنهج سياسي واقعي ليس سوى “خدعة قاسية” فُرضت على شعب أنهكته الفوضى التي خلّفها عهد بوريس جونسون وليز تراس.
ويستند الكتاب إلى وثائق داخلية من حزب العمال لم يسبق لأي كاتب آخر أن اطلع عليها، ما يجعل تفاصيله كثيفة ودقيقة إلى حدّ قد يربك القارئ العادي. ومع ذلك، يرى النقاد أن ما جمعه هولدن يشكّل “ملفًا اتهاميًا كاملًا” ضد القيادة الحالية للحزب. وقد أدت التسريبات التي سبقت نشر الكتاب إلى استقالة بول أوفندن، مدير استراتيجية ستارمر.
هولدن يكشف تمويلًا سريًا وحملات لتقويض كوربن داخل حزب العمال
كما في كتاب Get In، يركّز هولدن على شخصية مورغان ماكسويني، المقرب من اللورد بيتر ماندلسون، المستشار السياسي السابق لتوني بلير، والذي يشغل اليوم منصب رئيس موظفي كير ستارمر.
قبل عام 2020، كان ماكسويني يدير مركز الأبحاث المعروف باسم “Labour Together”، الذي قدّم نفسه للعامة باعتباره مساحة للحوار حول مستقبل الحزب. غير أن نشاطه الفعلي –وفق ما يوضح هولدن– كان يتم خلف الكواليس لتقويض قيادة كوربن وتهيئة الطريق أمام ستارمر لاعتلاء زعامة الحزب.
ويكشف الكتاب أن المركز تلقى مئات آلاف الباوندات من تبرعات مجهولة المصدر، قدّمها مديرو صناديق استثمارية ومؤيدون لإسرائيل. وقد فرضت المفوضية الانتخابية البريطانية غرامة مالية قدرها 14,250 باوندًا على المركز، مكتفية بتوصيف المخالفة بأنها “إغفال غير مقصود”، وهو ما يعتبره هولدن تبريرًا يصعب تصديقه.
ويرى الكاتب أن هذا التقصير في الإفصاح عن التمويل مكّن Labour Together من العمل سرًّا، وإجراء استطلاعات للرأي، وتأسيس منظمات ظاهرها مستقل لكنها كانت موجّهة لتقويض كوربن وتشويه سمعته.
كما يتناول هولدن في كتابه استغلال هذا الفريق للّبس المتعمد بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية، وهي قضية مألوفة لكل من استهدفتهم حملات التشويه تلك، وإن لم تجد بعد طريقها إلى الإعلام البريطاني السائد. ويصف الكاتب فصول كتابه الخاصة بهذا الملف بأنها “ملخّص دقيق وموجز لحقيقة ما جرى”.
فضائح الحزب: حملات معاداة السامية الوهمية واستهداف يهود بريطانيا
ومن أكثر ما يثير الغضب في ما يكشفه الكتاب هو أن عددًا من ضحايا تلك الحملات كانوا من اليهود أنفسهم. فقد أظهرت ملفات الحزب أن إيوان فيليبس، رئيس قسم الإعلام في مجموعة “عمال ضد معاداة السامية”، استخدم اسمًا يهوديًا وهميًا هو ديفيد غوردستين لتقديم شكاوى داخلية ضد أعضاء اتُّهموا بمعاداة السامية.
ويكشف هولدن للمرة الأولى أن هذا الشخص نفسه تقمّص هوية يهودي زائف، في مشهد يعكس –بحسب تعبيره– عبثية الهستيريا التي أحاطت بهذه القضية.
في عام 2019، كتب البروفيسور الراحل ديفيد غريبر، أستاذ الاقتصاد في جامعة لندن، مقالًا انتقد فيه ما وصفه بنشر “الضغينة والهلع” بين اليهود البريطانيين عبر اتهامات لا أساس لها بمعاداة السامية. وشاركت الممثلة مريام مارغوليس –وهي أيضًا يهودية– ذلك المقال عبر صفحتها في فيسبوك.
لكن “غوردستين” لم يتأخر في تقديم شكوى ضد مارغوليس نفسها متهمًا إياها بـ”معاداة السامية”! ورغم أن الحزب لم يتخذ إجراءً في تلك الحالة، فإن آخرين لم يكونوا بنفس الحظ.
ففي سبتمبر 2020، كان “غوردستين” من بين ثلاثة أشخاص قدّموا شكوى ضد الناشطة اليهودية ريفا جوفّي (80 عامًا)، التي شاركت سابقًا في النضال ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وكانت “جريمتها” –وفق نص الشكوى– أنها وصفت إسرائيل بدولة فصل عنصري، وهو توصيف تتبناه اليوم منظمات مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش والمنظمة الإسرائيلية بتسيلم، كما أنها حثّت كوربن على مواجهة نفوذ اللوبي الصهيوني.
وقد فتح الحزب تحقيقًا رسميًا بحق جوفّي، التي أمضت أيامها الأخيرة على سرير المرض تكتب ردًا مؤلمًا على الاتهامات، قالت فيه: “هذا الجنون في حملات التطهير التي تقودونها… لا يليق ببالغين ناضجين. إنه نابع من الخوف واليأس.”
كانت جوفّي تقيم في دائرة ستارمر الانتخابية وتعرفه شخصيًا، لكن عندما قدّم نجلها طلبًا لإسقاط التهم عنها بعد وفاتها، لم يتلقَّ أي رد من ستارمر أو فريقه.
هولدن يكشف سمّية داخل حزب العمال وتسلسل هرمي للعنصرية
في تقريره، أشار مارتن فورد KC إلى وجود ما وصفه بـ”تسلسل هرمي للعنصرية” داخل حزب العمال، حيث تُعالج تهم معاداة السامية بجدية مفرطة مقارنة بأشكال العنصرية الأخرى.
وحدّد التقرير النائبة دياني أبوت كإحدى أبرز ضحايا التنمر العنصري، فيما أظهرت الرسائل النصية المسربة من بول أوفندن –الذي كشفه هولدن– مستوىً من السخرية والعداء يعكس عمق السُّمّية داخل الحزب.
وبرغم ما تردده القيادة الحالية عن “وجود الكبار في الغرفة”، فإن الصورة التي يرسمها الكتاب تظهر مشهدًا سياسيًا مراهقًا تحكمه المكائد والتلاعبات، يشبه نسخة بائسة من مسلسل The Thick of It الشهير في السخرية السياسية.
ويذكر هولدن حادثة أخرى تكشف نمط التفكير هذا، إذ كتب أليكس باروس-كورتيس، المدير التنفيذي للشؤون القانونية في الحزب عام 2022، رسالة إلى الأمينة العامة السابقة جيني فورمبي زاعمًا أن خمسة موظفين سابقين سرّبوا تقريرًا داخليًا يبرّئ الحزب من تهم التهاون في مكافحة معاداة السامية. غير أن هولدن يوضح أن الادعاء كان باطلًا، وأن الموظفين الخمسة أنكروا أي علم لهم بالتسريب قبل أن يتراجع الحزب لاحقًا عن ملاحقتهم قانونيًا.
ستارمر مقابل بلير: حزب بلا روح ولا مضمون
يقدّم هولدن مقارنة دقيقة بين مشروع ستارمر وما عُرف بـ”العمال الجديد”. فبينما نجح بلير في التقاط روح المرحلة وكسب ثقة الحزب والجمهور بأسلوبه الجذّاب، يظهر ستارمر وفريقه كـ”فرقة تقليد رديئة تعزف ألحانًا بلا روح ولا نغمة”.
ومنذ البداية، اعتمد مشروع ستارمر على التحايل والتشويه والمناورات الخفية أكثر مما اعتمد على الإقناع أو القيادة السياسية. ويشير الكاتب إلى أن وسائل الإعلام المتحالفة مع ستارمر سهّلت له هذا النهج، لينتهي الحزب إلى ما يشبه “قشرة خاوية من أي مضمون سياسي أو أخلاقي”.
هولدن يحذر من نزعة سلطوية داخل ‘الستارمرية’ وحملات تشويه ممنهجة
يحذر هولدن من أن أخطر ما في “الستارمرية” هو نزعتها السلطوية. ففي مقدمة سلسلة ملفات حزب العمال، تساءل أحد النشطاء من ليفربول:”إذا تمكنت مجموعة صغيرة من الأشخاص الغامضين من السيطرة على أحد الحزبين الكبيرين في بريطانيا، فماذا سيفعلون عندما يتحكمون في جهاز المخابرات MI5 وبقية مؤسسات الدولة؟”
ويقول هولدن إن الأشهر الثمانية عشر الأخيرة قدّمت الإجابة. ففي خريف 2023، تعاون مع صحيفة Sunday Times في تحقيق حول فشل Labour Together في الإفصاح عن تبرعات مالية للمفوضية الانتخابية. لكن رد فعل المجموعة كان صادمًا؛ إذ استعانت بشركة استشارات خاصة للبحث عن ملفات تشويهية ضد هولدن وضد رئيسه في منظمة Shadow World Investigations، أندرو فاينستين، المعروفة بتحقيقاتها في قضايا تجارة السلاح.
ويقول هولدن إن مصدرًا سلّمه لاحقًا تقارير أعدّتها تلك الشركة، تبيّن أنها سعت لربطه ولفاينستين بروسيا في محاولة فاشلة للنيل من مصداقيتهما، رغم أن منظمته كانت من أبرز الجهات التي كشفت أنشطة الأوليغارشيين الروس في بريطانيا.
كما حاولت Labour Together زرع شائعات مغرضة في الصحف، واضطر هولدن إلى تهديد صحيفة The Guardian بإجراءات قانونية بعد أن علم أن محررتها السياسية بيبا كريرار كانت تستعد لنشر تقرير زائف يزعم أنه يخضع لتحقيق من الشرطة بتهمة تسلّم وثائق مسرّبة بطريقة غير قانونية.
ويشير هولدن إلى أن تلك التقارير لم تشكك في صحة المعلومات أو الوثائق التي امتلكها، بل ركزت فقط على معرفة مصادره ومقدار ما لديه من معلومات إضافية.
ويختتم قائلًا: “الآن باتوا يعرفون.”
ما يكشفه كتاب “الخداع” يشكّل جرس إنذار بشأن تآكل القيم الديمقراطية داخل حزب العمال البريطاني، ويبرز خطورة النزعة السلطوية التي تتحكم في مسار الحزب.
من الضروري فتح تحقيق شفاف ومستقل في أنشطة Labour Together، ومراجعة مصادر التمويل والسياسات الداخلية للحزب لضمان الالتزام بالمعايير القانونية والأخلاقية. كما يمثل صون حرية التعبير داخل الحزب ووقف استغلال تهم “معاداة السامية” كسلاح سياسي لتصفية الخصوم عنصرًا جوهريًا لاستعادة التوازن الديمقراطي.
استعادة ثقة الشارع البريطاني بالحياة السياسية تتطلب أن يكون حزب العمال نموذجًا في الشفافية والمساءلة والنزاهة، بدل التحول إلى منظومة مغلقة تُدار من خلف الكواليس.
المصدر : ديكلاسيفايد
إقرأ أيضًا :
الرابط المختصر هنا ⬇
