كيف تحول مركز يمني متواضع إلى صرح يخدم آلاف الأسر في بريطانيا؟
من مبنى خشبي صغير ومتواضع تقام فيه الأنشطة المحدودة، إلى صرح مؤسسي حديث ومتكامل يضج بالحياة ويخدم أكثر من 3 آلاف أسرة عربية ومسلمة؛ تلخص هذه المسيرة حكاية جمعية هليزوين دادلي اليمنية (HDYCA) في مقاطعة “ويست ميدلاندز” البريطانية. إنها قصة نجاح ملهمة تمتد لأربعة عقود، تختزل طموح جالية حافظت على هويتها الأصيلة وصنعت مكانًا بارزًا لها في قلب المجتمع البريطاني.
جذور يمنية عريقة: من البحر إلى استقرار الهوية

تعود جذور هذه الحكاية إلى بدايات القرن العشرين، حينما وطأت أقدام البحارة والعمال اليمنيين الموانئ البريطانية، ليشكلوا نواة لواحدة من أقدم المجتمعات العربية والإسلامية في بريطانيا. ومع توسع موجات الاستقرار، نمت أعداد الأسر اليمنية بشكل ملحوظ في منطقتي “دادلي” و”هليزوين” (حيث تتجاوز العائلات اليمنية في دادلي اليوم 500 عائلة).
ومع هذا النمو، برزت الحاجة الماسة لمؤسسة تحمي الهوية الثقافية والدينية للأبناء، وتعين الأسر على مواجهة تحديات المهجر. وفي عام 1986، أبصرت الجمعية النور بجهود طوعية، قبل أن يتم تسجيلها رسميًا كجمعية خيرية في آذار/مارس 1994، لتبدأ رحلة العمل المنظم.
2007.. نقطة التحول الكبرى

يروي رئيس الجمعية، الأستاذ مروان بكيلي، أن نقطة التحول التاريخية في مسيرة الجمعية بدأت عام 2007، حين تلاقت رؤية الهيئة الإدارية مع أحلام الجالية وكبار السن لإنشاء مركز حديث بديل للمبنى الخشبي القديم.
وبفضل تكاتف المتطوعين، وجمع التبرعات، وبناء شراكات قوية مع المؤسسات الرسمية والخيرية، نجحت الجمعية في تشييد “مركز هليزوين الثقافي” بتكلفة بلغت نحو 1.2 مليون باوند، وافتُتح رسميًا في أبريل 2018 ليكون بيتًا مفتوحًا للجميع.
مؤسسة تتجاوز المفهوم التقليدي
لم تعد الجمعية مجرد مقر للجالية اليمنية، بل تحولت إلى خلية نحل ومؤسسة مجتمعية متكاملة تقدم حزمة خدمات واسعة تشمل:
- التعليم واللغة: مدرسة عربية تستقبل عشرات الطلاب أسبوعيًا لتعلم العربية والقرآن الكريم والتربية الإسلامية، ويؤكد مديرها الأستاذ محمد حامد أن “التعليم هو الأداة الأولى لحماية الهوية والثقافة العربية”.
- الخدمات الدينية والاجتماعية: يضم المركز مسجدًا جرى تسجيل جزء منه رسميًا عام 2021، ليقوم بدور يتجاوز العبادة إلى الإرشاد الأسري والتربوي ونشر قيم الوسطية. كما حصلت الجمعية في عام 2023 على ترخيص رسمي لإجراء عقود الزواج.
- الدعم والتمكين: دورات لتعليم الإنجليزية، استشارات أسرية، برامج للشباب والنساء، خدمات تدريب وتوظيف، فضلًا عن برامج مساندة اللاجئين وطالبي اللجوء.
شريك فاعل وتكريم ملكي رفيع

أثبتت الجمعية جدارتها كشريك أساسي في المجتمع البريطاني من خلال التعاون المشترك مع مجلس مدينة دادلي، وشرطة ويست ميدلاندز، وهيئة الصحة الوطنية (NHS). هذا الأثر المجتمعي العميق قاد الجمعية إلى حصد سلسلة من الألقاب والجوائز الرفيعة:
| العام | الإنجاز / الجائزة |
| 2020 | استكمال إجراءات استقدام إمام دائم للمركز. |
| 2021 | تسجيل جزء من المبنى كمسجد رسمي + جائزة أفضل جمعية في منطقة وسط وغرب بريطانيا. |
| 2022 | جائزة الملكة إليزابيث الثانية للعمل التطوعي (أعلى وسام يمنح للمؤسسات التطوعية في بريطانيا). |
| 2024 – 2025 | نيل عدد من متطوعي الجمعية جوائز وشهادات تقديرية لعطائهم المستمر. |
عين على المستقبل: المشروع الأكبر بـ 4 ملايين باوند

لا يتوقف طموح القائمين على الجمعية عند هذا الحد؛ إذ وضعت الهيئة الإدارية خطة استراتيجية طموحة للفترة (2024 – 2029) تشمل التجهيز للمشروع الأكبر في تاريخها: إنشاء مركز رياضي وشبابي متكامل على الأرض المجاورة للمبنى الحالي بتكلفة تقديرية تتجاوز 4 ملايين باوندي. وتعمل الجمعية حاليًا على استكمال الاتفاقيات طويلة الأمد مع السلطات المحلية بشأن الأراضي لبدء التنفيذ، كاستثمار استراتيجي يخدم الأجيال القادمة.
أربعون عامًا كانت كافية لكي تتحول جمعية هليزوين ودادلي اليمنية من مجرد فكرة بسيطة إلى نموذج يحتذى به في الموازنة بين الحفاظ على الجذور والانفتاح الإيجابي، مبرهنة على قدرة المجتمعات المهاجرة على صناعة الفارق وترك بصمة فخر حقيقية في أوطانها الجديدة.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇