قناة يمينية متطرفة تدفع تعويضا كبيرا لمنظمة إسلامية بسبب “الإضرار بالسمعة”
شهدت محكمة العدل العليا في لندن فصلًا جديدًا من فصول مواجهة التضليل الإعلامي، بعد أن اضطرت قناة GB News لتقديم اعتذار رسمي ودفع تعويضات كبيرة لمنظمة الإغاثة الإسلامية (Islamic Relief)، عقب بثّ مزاعم وُصفت في الجلسة العلنية بأنها “لا أساس لها، ولا تمتّ إلى الحقيقة بصلة”.
تعود القضية إلى مقابلة تلفزيونية بُثّت في 16 فبراير 2025، ظهر فيها المعلّق السياسي أمجد طه على شاشة GB News ليطلق جملة من الادعاءات تفيد بأن الإغاثة الإسلامية تموّل جماعات إرهابية وتتبنّى أجندة متطرفة.
وخلال جلسة المحكمة، أكّد محامو المنظمة –نيابةً عنها– أن هذه الادعاءات كانت “عارية تمامًا من الصحة”، وأن المنظمة تخضع لأنظمة رقابة مالية وتدقيقات دولية صارمة، ولم يُثبت في أي منها وجود أي تعامل مع كيانات محظورة أو مشبوهة.
وفي ضوء التسوية، التزمت القناة بـ:
- إزالة المقابلة والمحتوى المرتبط بها من جميع منصاتها،
- الامتناع عن تكرار الادعاءات،
- بثّ اعتذار واضح وصريح على الهواء مباشرة،
- ودفع تعويضات مالية كبيرة إلى المنظمة، إضافة إلى التكاليف القانونية.
ورغم عدم الإفصاح عن قيمة المبلغ، وصفت الأطراف المعنية التعويضات بأنها “كبيرة” وتعكس خطورة الاتهامات المروّجة.
الإغاثة الإسلامية: حملات التشويه ليست عابرة
Right-wing channel GB News was forced to issue an on air apology for allowing false allegations to be made against the Muslim charity Islamic Relief on air unchallenged.
The allegations were made by Arab-Zionist activist Amjad Taha who claimed Islamic Relief had “sent money to… pic.twitter.com/zDOmq20vFC
— 5Pillars (@5Pillarsuk) September 28, 2025
رحّبت المنظمة بالقرار، لكنها شدّدت على أن ما تعرّضت له ليس حادثًا معزولًا، بل جزء من موجة تضليل آخذة في الاتساع تستهدف مؤسسات المجتمع المدني الإسلامي.
وأشارت إلى أن موقع الديلي ميل أونلاين كان قد روّج سابقًا لاتهامات مشابهة قبل أن ينشر اعتذارًا رسميًا وتصحيحًا للخبر.
وأضافت المنظمة أن أثر هذه الشائعات لا يقف عند حدود السمعة، بل يمتد إلى تعريض العاملين في الميدان للخطر في مناطق النزاع، حيث فقدت الإغاثة الإسلامية عددًا من موظفيها في هجمات مسلحة خلال تنفيذ مهماتهم الإنسانية. ولذلك فإن ربط المنظمة زورًا بالإرهاب هو فعل “مؤذٍ ومسيء” يحمل تبعات خطيرة على المستفيدين من مساعداتها.
وتُعد الإغاثة الإسلامية، التي انطلقت من برمنغهام عام 1984، إحدى أكبر المنظمات الإنسانية في العالم الإسلامي، وتعمل بالشراكة مع وكالات أممية كالمفوضية السامية وبرنامج الغذاء العالمي، وتخضع بانتظام لتدقيقات دولية تؤكد سلامة عملها وخلوّه من أي ارتباطات مشبوهة.
سياق أوسع… وقناة متّهمة بصورة متكررة باستهداف المسلمين
لا تُقرأ هذه القضية بمعزل عن سياقها الإعلامي الواسع؛ فالدراسات التي أجراها مركز رصد الإعلام البريطاني كشفت أن GB News تُظهر “تركيزًا مبالغًا فيه” على قضايا المسلمين، وأن تغطياتها كثيرًا ما تقدّمهم في سياقات سلبية تتجاوز ما تعرضه قنوات بريطانية أخرى.
كما اضطرت القناة سابقًا إلى تصحيح مقطع مجتزأ أُوحي فيه خطأً بأن الداعية محمد حجازي يتبنّى مواقف منحرفة، قبل أن تعترف لاحقًا بأن القطع كان مضلّلًا.
هذه الوقائع المتكرّرة تضع القناة أمام سؤال أكبر:
هل نحن أمام زلّات فردية… أم توجه تحريري يرسّخ الربط بين المسلمين والتطرف؟
أمجد طه… من هو؟ ولماذا أثارت مشاركته كل هذا الجدل؟
الشخص الذي وقفت مزاعمه وراء هذه الأزمة هو أمجد طه، وهو شخصية مثيرة للجدل في الفضاء الإعلامي الخليجي والغربي.
تشير تقارير ميدل إيست آي وأبحاث الأكاديمي مارك أوين جونز إلى أن طه من أبرز مروّجي المعلومات المضلّلة، حيث تورّط في ترويج روايات ثبت لاحقًا عدم صحتها، من بينها مزاعم ملفقة حول كأس العالم في قطر انتشرت عالميًا رغم غياب الدليل.
كما أظهرت تقارير صحفية وتحليلات مختصة أنه يحظى بدعم شبكات حسابات آلية ومنسّقة تعيد تضخيم رواياته، بما يخدم سرديات سياسية معينة.
وبهذا المعنى، فإن استضافته لاتهام مؤسسة خيرية دولية على شاشة قناة بريطانية –من دون سند أو تمحيص– لا يمكن اعتباره مجرد خطأ إعلامي عابر، بل إخفاق تحريري جسيم.
بين الاستهداف والتضليل… مجتمع مدني تحت الضغط
تلتقي هذه القضية مع ما وثّقته دراسات دولية حول حملات ممنهجة تستهدف منظمات المجتمع المدني الإسلامي عبر اتهامات جاهزة بالتطرف أو الإرهاب، بهدف تشويه سمعتها أو تعطيل عملها.
وأبرزت ورقة بحثية صادرة عن جامعة جورج ميسون (2023) كيف تُستخدم هذه الأساليب للتأثير على تدفقات التمويل الإنساني وتشويه المنظمات أمام الحكومات والجهات المانحة.
كما كشف تحقيق موسّع نشرته مجلة نيويوركر عن عملية تشويه مدفوعة نفذّتها شركة استخبارات خاصة ضد رجل الأعمال حازم ندا، أدت إلى انهيار أعماله رغم غياب أي دليل يدعم تلك الادعاءات.
لماذا تكتسب القضية أهميتها؟
تمنح هذه التسوية اعترافًا قضائيًا واضحًا بأن الادعاءات التي استهدفت الإغاثة الإسلامية كانت مختلقة بالكامل، وأن إعادة نشرها أو تضخيمها لم يكن سوى جزء من بيئة إعلامية ملوّثة بالمعلومات المضلّلة.
كما تقدّم القضية سابقة مهمة في محاسبة المؤسسات الإعلامية حين تتجاوز حدود المهنية وتُفسح المجال لخطابات التشويه بلا دليل.
وتحمل الرسالة أيضًا بعدًا إنسانيًا:
فالمنظمات العاملة في بيئات ملتهبة، من غزة إلى اليمن والسودان، تحتاج إلى حماية سمعتها بقدر حاجتها إلى التمويل، لأن التشويه قد يحرم آلاف الأسر من المساعدات التي تُنقذ حياتهم.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
