لغة الأرقام في مواجهة التضليل.. قراءة تحليلية في معدلات الجريمة والهجرة في بريطانيا 2026
لطالما كان ملف الهجرة مادة دسمة في السجالات السياسية البريطانية، وفي الغالب تُساق فرضيات تربط بين زيادة أعداد الوافدين الجدد وارتفاع معدلات الجريمة دون الاستناد إلى قرائن إحصائية متينة. ومع مطلع عام 2026، وصدور التحديثات السنوية الشاملة عن مكتب الإحصاء الوطني (ONS) ووزارة العدل البريطانية، تظهر البيانات الرسمية صورة مغايرة بالكامل للروايات السائدة، حيث تكشف لغة الأرقام أن المهاجرين، وفي مقدمتهم المكون العربي في بريطانيا، يمثلون عامل استقرار اجتماعي وليس العكس.
تشريح إحصائي لنزلاء السجون

وفقًا للبيانات المحدثة التي حللها خبراء الأمن الاجتماعي، بلغ عدد السجناء من الرعايا الأجانب في إنجلترا وويلز نحو 10,435 سجينًا من إجمالي 84,000 سجين تقريبًا، وهو ما يمثل نسبة تقارب 12.4 في المئة. وبالنظر إلى البيانات السكانية التي تشير إلى أن نسبة المقيمين غير البريطانيين في المملكة المتحدة تحوم حول 12 في المئة، نجد أن هناك تناسبًا طرديًّا دقيقًا، وهو ما يدحض الادعاءات القائلة بأن المهاجرين يرتكبون جرائم بمعدلات تفوق المواطنين الأصليين.
الأرقام تذهب إلى أبعد من ذلك؛ ففي تحليل لوزارة العدل البريطانية شمل ما بين 2024 ومطلع 2026، تبين أن أكثر من 30 في المئة من الرعايا الأجانب المحتجزين في السجون البريطانية لم يرتكبوا جرائم عنف ضد الأفراد، بل تتعلق قضاياهم بمخالفات قوانين الهجرة أو الإقامة أو استخدام وثائق غير رسمية. وهذا يعني أن “الخطر الجنائي” الفعلي المقاس بالعنف أو التعدي على الممتلكات يقل بصفة ملحوظة لدى المهاجرين مقارنة بالمواطنين البريطانيين.
مفارقة “الشباب” والالتزام بالقانون
تعد دراسة “مرصد الهجرة” التابع لجامعة أكسفورد من أهم المصادر التي تفكك العلاقة بين الجنسية والجريمة. تشير الدراسة إلى أن المهاجرين هم تاريخيًّا فئة “يافعة”، حيث تتركز أعمار أغلبهم بين 18 و40 عامًا. ومن المعروف إحصائيًّا في علم الجريمة أن هذه الفئة العمرية هي الأكثر ميلًا للنشاط الجنائي في كل المجتمعات.
وعليه، عند إجراء مقارنة علمية عادلة (Like-for-Like comparison) بين مهاجر ومواطن بريطاني من نفس العمر والجنس والظروف الاجتماعية، أظهرت النتائج أن المهاجرين أقل عرضة للانخراط في الأنشطة الإجرامية بنسبة تصل إلى 20 في المئة في بعض المقاطعات. هذا يعود بحسَب المحللين إلى “حافز الاستقرار”؛ حيث يخشى المهاجر من فقدان حق الإقامة أو التعرض للترحيل، وهو ما يجعله أكثر حرصًا على اتباع الأنظمة والقوانين من المواطن الذي لا يواجه هذه التبعات.
بريطانيا 2026.. مستويات أمان تاريخية

في مفاجأة إحصائية سجلها مكتب الإحصاء الوطني (ONS) في تقريره الصادر في يناير 2026، تراجعت جرائم القتل في المملكة المتحدة إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2003، حيث بلغت 552 جريمة سنويًّا مقارنة بـ602 في العام السابق. هذا التراجع حدث في وقت سجلت فيه بريطانيا مستويات هجرة مرتفعة، وهذا يقطع الطريق قانونيًّا ومنطقيًّا أمام محاولات الربط بين الظاهرتين.
كما سجلت جرائم السطو المسلح والسرقة بالإكراه انخفاضًا بنسبة 4 في المئة، في حين لوحظ أن الزيادة في بعض أنواع الجرائم تتركز في “الجرائم السيبرانية” و”الاحتيال المالي”، وهي جرائم عابرة للحدود ولا ترتبط بمكان إقامة الفرد أو كونه مهاجرًا، بل بتطور التقنيات الرقمية.
المكون العربي في بريطانيا: نموذج للمواطنة الفاعلة
لا يمكن الحديث عن الأمن المجتمعي دون الإشادة بدور المكون العربي في بريطانيا والبريطانيين العرب. تشير السجلات المهنية والنقابية إلى أن هذا المكون يتركز بكثافة في قطاعات حيوية تتطلب أعلى درجات النزاهة والالتزام القانوني. فوجود أكثر من 15 ألف طبيب عربي في منظومة الصحة الوطنية (NHS)، وآلاف المهندسين والأكاديميين، يعزز من صورة هذا المكون بوصفه قوة دافعة للأمان والرفاه الاجتماعي.
البريطانيون العرب، بتمسكهم بالقيم الأسرية القوية والروابط المجتمعية، يقدمون شبكة أمان داخلية تمنع الانزلاق نحو الجريمة أو التهميش. إن منصة العرب في بريطانيا (AUK)، تؤكد من خلال رصدها اليومي أن الغالبية العظمى من قضايا المكون العربي هي قضايا حقوقية أو إدارية، بينما تكاد تنعدم نسبتهم في جرائم العنف المنظم أو الجرائم المهددة للأمن العام.
مشكلات وحلول: نظرة إلى المستقبل

رغم هذه الأرقام المطمئنة، لا تزال هناك مشكلة تتمثل في “التصور الذهني” (Public Perception). فوسائل الإعلام اليمينية في الغالب تبرز الجرائم التي يرتكبها أجانب بشكل مكثف مقارنة بجرائم المواطنين، فيؤدي هذا إلى إيهام الناس بارتفاع معدلات الجريمة. ومن هنا، يبرز دور الصحافة المسؤولة في توضيح أن الجريمة فعل فردي لا يعبر عن عرق أو جنسية.
المستقبل يتطلب تعزيز الاندماج الإيجابي وتطوير برامج الوعي القانوني للوافدين الجدد منذ اللحظة الأولى لوصولهم، وهو ما يساهم في خفض معدلات المخالفات الإدارية التي ترفع “رقميًّا” من نسبة المهاجرين في سجلات الشرطة دون أن تشكل خطرًا حقيقيًّا على المجتمع.
نصيحة ختامية للمكون العربي في بريطانيا
إن التزامكم بالقانون البريطاني ليس واجبًا أخلاقيًّا وقانونيًّا فقط، بل هو أقوى رد عملي على الخطابات التحريضية. ننصح جميع الإخوة من المكون العربي في بريطانيا، سواء كانوا مقيمين دائمين أو بريطانيين من أصول عربية أو وافدين جددًا، بضرورة توثيق علاقتهم بالهيئات المحلية ومجالس الأحياء، وعدم التردد في الإبلاغ عن أي نشاط مشبوه يهدد سلامة المجتمع. إن أمن بريطانيا هو أمننا جميعًا، وصورتنا الناصعة كشركاء في بناء هذا الوطن هي الضمانة الأكيدة لمستقبل أجيالنا في هذه البلاد. الوعي هو السلاح، والقانون هو الملاذ.
المصادر والمراجع الكاملة:
- مكتب الإحصاء الوطني (ONS) – إحصاءات الجريمة في إنجلترا وويلز (التحديث السنوي 2025/2026):
- مرصد الهجرة بجامعة أكسفورد – تقرير إدانات المهاجرين والسجون (محدث ديسمبر 2025):
- وزارة العدل البريطانية – إحصائيات إدارة الجناة والسجون (الربع الثالث والسنوي 2025):
- بيانات شرطة الميتروبوليتان – تقارير الأمن المجتمعي (يناير 2026):
إقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
