قانون جديد في بريطانيا يفضّل خريجي الطب المحليين على المتقدمين من الخارج
تتجه هيئة الصحة الوطنية في بريطانيا (NHS) إلى منح الأطباء المتخرجين من كليات الطب البريطانية أولوية في وظائف التدريب، على حساب المتقدمين من الخارج، بموجب تشريع طارئ تسعى الحكومة إلى تمريره بسرعة عبر البرلمان.
ومن المقرر أن يقدّم وزير الصحة، ويس ستريتينغ، مشروع قانون عاجل يهدف إلى إصلاح نظام وصفه بـ”الكارثي”، بعدما أدّى خلال السنوات الماضية إلى خروج آلاف الخريجين البريطانيين من سوق العمل الطبي، رغم استكمالهم مراحل التدريب الأساسية.
وتأتي هذه الخطوة في سياق محاولة لتهدئة التوتر مع نقابة الأطباء البريطانية (BMA)، التي تمثّل الأطباء المقيمين، والذين نفّذوا إضرابات متكررة احتجاجًا على تدني الأجور وندرة فرص التدريب التخصصي. وكان ستريتينغ قد عقد لقاءً مع قيادة النقابة الأسبوع الماضي، في إطار مساعٍ لإعادة فتح قنوات الحوار.
وكان وزير الصحة قد طرح فكرة التشريع لأول مرة في ديسمبر الماضي ضمن حزمة إجراءات، ربط تنفيذها آنذاك بوقف إضراب للأطباء قبيل عطلة أعياد الميلاد. إلا أن أعضاء النقابة رفضوا العرض بأغلبية 83%، ومضوا في الإضراب. غير أن إصرار الحكومة الآن على المضي قدمًا في التشريع يوحي بإحراز تقدم في المفاوضات، رغم تحذيرات رسمية من إمكانية التراجع إذا صوّت الأطباء على جولات جديدة من الإضراب. ومن المقرر أن تُغلق عملية إعادة التصويت داخل النقابة في الثاني من فبراير المقبل.

سيُعرض مشروع قانون “التدريب الطبي (تحديد الأولويات)” على مجلس العموم، واضعًا إطارًا قانونيًا لإعادة ما تصفه الحكومة بـ”تكافؤ الفرص” للأطباء الذين درّبتهم بريطانيا. ويواجه حاليًا آلاف الأطباء خطر البطالة بعد إنهاء أول عامين من التدريب الأساسي، نتيجة المنافسة الحادة على عدد محدود من مقاعد التدريب التخصصي.
وتعود جذور الأزمة، بحسب وزارة الصحة، إلى قرار اتُّخذ عام 2020 برفع القيود المفروضة على التأشيرات، ما أتاح للأطباء المدرّبين في الخارج التقدم لوظائف هيئة الصحة الوطنية بالشروط نفسها المطبقة على خريجي بريطانيا. وقد قفز عدد المتقدمين من نحو 12 ألفًا في عام 2019 إلى قرابة 40 ألفًا هذا العام، في مقابل نحو 10 آلاف وظيفة تدريبية فقط.
وقال ستريتينغ إن دافعي الضرائب في بريطانيا ينفقون ما يقارب أربعة مليارات باوند سنويًا على تدريب الأطباء، معتبرًا أن “ترك هؤلاء الخريجين دون مسار مهني واضح بعد هذا الاستثمار الضخم أمر غير مبرر”.
وأضاف أن “سوء الإدارة في عهد الحكومة السابقة وضع الأطباء البريطانيين في منافسة غير متكافئة مع أطباء من مختلف أنحاء العالم”، موضحا أن التشريع الجديد يهدف إلى حماية هذا الاستثمار العام، ومنح الأطباء الشباب مسارًا واضحًا للالتحاق بالتخصصات الطبية، مشددًا على أن القانون سيُطبق اعتبارًا من دورة التقديم الحالية.
ومع ذلك، أكد وزير الصحة أن هيئة الصحة الوطنية “لن تغلق الباب أمام الكفاءات الدولية”، موضحًا أن الأولوية ستُمنح أيضًا للأطباء القادمين من الخارج ممن عملوا في الهيئة لفترات طويلة، لكن الهدف الأساسي هو بناء قوة عاملة طبية مستقرة ومستدامة داخل النظام الصحي البريطاني.
وبحسب الحكومة، فإن زيادة عدد مقاعد التدريب التخصصي، بالتوازي مع منح الأولوية لخريجي بريطانيا، ستؤدي إلى خفض حدّة المنافسة، بحيث ينخفض متوسط عدد المتقدمين من أربعة أطباء لكل مقعد تدريبي إلى أقل من طبيبين.
ويمتد أثر التشريع ليشمل أيضًا وظائف التدريب الأساسية، ما يعزز فرص الأطباء حديثي التخرج. وتقدّر كلفة تدريب الطبيب الواحد على خزينة الدولة بنحو 160 ألف باوند.
كشفت بيانات لنقابة الأطباء البريطانية أن نحو نصف الأطباء الذين أنهوا تدريبهم الأساسي العام الماضي لم يحصلوا على وظائف، بسبب الضغط الشديد على مقاعد التدريب. ففي العام الماضي، بلغ عدد المتقدمين لكل وظيفة تدريبية في طب الأسرة خمسة أطباء، فيما وصل العدد في جراحة القلب إلى 74 متقدمًا لكل وظيفة واحدة. كما تشير أرقام هيئة الصحة الوطنية إلى أن قرابة ثلثي المتقدمين لمقاعد التدريب التخصصي في عام 2025 كانوا من خارج بريطانيا.
ما الذي يعنيه هذا للأطباء العرب والأجانب في بريطانيا؟

يحمل التشريع المقترح دلالات مباشرة للأطباء العرب العاملين أو المتدرّبين ضمن هيئة الصحة الوطنية في بريطانيا، ولا سيما أولئك الذين تخرّجوا من كليات طب خارج البلاد أو التحقوا بالنظام الصحي عبر مسارات الهجرة المهنية. فبينما تؤكد الحكومة أن القانون الجديد لن يُقصي الكفاءات الدولية، إلا أنه يعيد ترتيب الأولويات على نحو يمنح الأفضلية لخريجي كليات الطب البريطانية، وكذلك للأطباء القادمين من الخارج ممن أمضوا فترات طويلة في العمل داخل NHS.
وبالنسبة للأطباء العرب، يعني ذلك أن فرص المنافسة على مقاعد التدريب التخصصي ستتأثر بدرجة أو بأخرى بحسب مسارهم المهني: فالأطباء الذين أكملوا دراستهم الطبية في بريطانيا قد يستفيدون من تقليص حجم المنافسة، في حين قد يواجه القادمون حديثًا من الخارج بيئة أكثر تشددًا في المفاضلة، خصوصًا في التخصصات ذات الطلب المرتفع.
في المقابل، يرى مراقبون أن التشريع قد يدفع هيئة الصحة الوطنية إلى توسيع مقاعد التدريب مستقبلًا، ما قد يحدّ من الأثر السلبي على الأطباء الدوليين، بمن فيهم العرب، الذين يشكّلون جزءًا أساسيًا من القوى العاملة الطبية في بريطانيا. غير أن ذلك يبقى مرهونًا بكيفية تطبيق القانون عمليًا، وبالضمانات التي ستُمنح لضمان عدم تحوّل “الأولوية” إلى إقصاء فعلي في سوق يعاني من نقص مزمن في الأطباء.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
