العرب في بريطانيا | في غزة، السلام يبدو غريبًا علينا

في غزة، السلام يبدو غريبًا علينا

في غزة، السلام يبدو غريبًا علينا
سارة عوض أكتوبر 30, 2025
شارك

تتوالى الأيام منذ إعلان “الهدنة”؛ هدنةٌ لا وجود لها إلا على الورق. فمنذ التاسع من أكتوبر، انتهكتها إسرائيل مرارًا، لتعود إليها حين تشاء، وتخرقها حين تشاء، فيما نظل نحن نعيش على أرضٍ لا تعرف السكون.

في غزة، ما زال الخوف يملأ الأزقّة. لا شيء تبدّل سوى شكل الخراب. الحصار قائم، والحدود مغلقة، والطعام يُقاس بالفتات. ما دام الهواء مشبعًا بالمنع، فلا سلام يُحسّ، ولا راحة تُنال.

أتذكّر حين سمعنا الناس يهتفون في الشوارع: “انتهت الحرب”!

لم أصدقهم..

نحن الذين خَبِرْنا الحروب نعرف أن الفرح في غزة هشّ، وأن الأمل يأتي بخطى مرتجفة. ومع ذلك، في تلك اللحظة القصيرة، أحسسنا وكأننا نستطيع أن نتنفس بحريةٍ للمرة الأولى منذ عامين. جلسنا صامتين، لا نعرف هل نفرح أم نبكي. فقدنا أكثر مما تحتمله قلوبنا، حتى غدونا غرباء عن الفرح.

في اليوم التالي خرجتُ إلى الشوارع. التقطت أجمل الصور التي التقطتها في حياتي: سماء بلا قذائف، ومستشفيات لا تستقبل جرحى جدد، ومدينة تحاول أن تتذكّر شكل الحياة. كنا نقول لبعضنا: “كإنه أول أيام العيد”، لكننا كنّا نعلم أن العيد الحقيقي لا يأتي على أنقاض الخوف.

ما فقدناه لا يُروى. لا أحد خارج غزة يمكنه أن يفهم تمامًا ما عشناه. لقد خسرنا بيوتنا، وطمأنينتنا، وحتى إحساسنا بماهية الحياة. خلال الحرب عرفت الجوع مرتين؛ الأولى في شتاء 2024، والثانية في صيف 2025. توسّلنا إلى العالم أن يُرسل لنا طعامًا، وبكينا من ألم الجوع الذي لم نعرفه من قبل. كانت تلك أول مرة أشعر فيها بأن الإنسان يمكن أن يفرغ من ذاته كما تفرغ المعدة من الطعام.

ثم جاء الحصار الكامل. حاصرتنا الدبابات من كل جانب، وبقينا ثلاثين نفسًا محشورين في بيتٍ صغير بينما القصف يمزّق الحيّ. ثلاثة أيامٍ بلياليها دون طعامٍ أو ماءٍ أو كهرباء. كنا ننام ونستيقظ على سؤالٍ واحد: كيف ما زلنا أحياء؟

خرجت من الحرب إنسانةً أخرى. دخلتها وأنا في التاسعة عشرة، وخرجت منها في الحادية والعشرين، لا أملك من نفسي سوى بقاياها. أتذكر أبي وهو يقول لي: “اعتني بأمك وإخوتك إن أصابني مكروه”. كانت تلك الجملة كفيلة بأن تنهي طفولتي إلى الأبد.

حتى بعد الهدنة، كل شيء حولنا يبدو غريبًا. السلام نفسه صار ثقيلًا، كأنه لا يعرفنا. نخاف من الصمت، ونرتبك أمام أصوات الطبيعة. الطمأنينة أصبحت شعورًا نادرًا، يكاد يبدو كذكرى بعيدة.

في ليلةٍ هادئة خرجت من الخيمة وجلست أمام البحر. جسدي ما زال يرتعش عند كل صوت، ثم أدركت أن ما أسمعه هو ارتطام الأمواج بالشاطئ. كانت تلك اللحظة أول مرة منذ زمنٍ طويل أشعر فيها بالسعادة. سعادة بسيطة، نقيّة، امتزجت بحزنٍ عميق لأنني نسيت كيف يكون طعمها. اشتقت إلى الحياة التي لا تُخيف، إلى اليوم العادي الذي لا يشبه معركة.

لستُ الفتاة ذاتها التي كنتها قبل الحرب. والمستقبل ما زال معلّقًا في صمتٍ غريب، لكنني نجوت. وربما الآن، يكفيني أن أقول:

ما زلت هنا.

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 24 يوليو 2026
"لماذا اخترت دينًا عنيفًا؟" مسلم بريطاني يرد على محاولات اتهام الدين الإسلامي بالعنف، مشيرًا إلى لجوء البعض لاقتطاع آيات من القرآن الكريم خارج سياقها لخدمة رواياتهم وتغذية "الاسلاموفوبيا". #شاهد #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 24 يوليو 2026
"من يرتكب إبادة جماعية غير مرحب به في لندن.." في موقف حاسم، أعلن عمدة لندن صادق خان رفضه لاستقبال نتنياهو، مؤكدًا استعداده للضغط على الحكومة البريطانية لملاحقته ومحاسبته قانونيًا بدلًا من الترحيب به. #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 24 يوليو 2026
"سواء كنت تخشى مواجهة الجمهور وتبحث عن بيئة آمنة لبناء ثقتك من الصفر، أو كنت متحدثًا ممارسًا يسعى لتطوير أدواته الخطابية لترك أثر لا يُنسى.. هذه الورشة صُممت لأجلك" في هذا اليوم التدريبي المكثف، ندمج أحدث مهارات التواصل مع أدوات…
𝕏 @alarabinuk · 24 يوليو 2026
"خلال 60 يومًا فقط قد تضطر لمغادرة البلاد بسبب خطأ إداري بسيط.." في هذه الحلقة من برنامج #في_حضرة_القانون، يكشف عبد الله من شركة BA International Solicitors أبرز الأخطاء الشائعة التي تُهدد تأشيرة العمل في بريطانيا، وكيف تتفاداها لحماية إقامتك وعملك.…
عرض المزيد على X ←