بي بي سي: فيديوهات مزيفة بالذكاء الاصطناعي تروّج لرواية “انهيار بريطانيا”
كشف تحقيق أجرته هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” (BBC) عن شبكة حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي تستخدم مقاطع فيديو مولدة بالذكاء الاصطناعي لنشر صورة سوداوية عن بريطانيا، تقوم على تصوير البلاد باعتبارها “منهارة” وغارقة في الفوضى والهجرة الجماعية و”أسلمة المجتمع”.
وبحسَب التحقيق، فإن كثيرًا من هذه الحسابات لا تُدار من داخل بريطانيا أصلًا، بل من دول تبعد آلاف الكيلومترات، بينها سريلانكا وفيتنام والمالديف، إضافة إلى حسابات مرتبطة بأشخاص أو شبكات في أوروبا والولايات المتحدة وإيران والإمارات.
“بريطانيا التي كانت”… لكن بالذكاء الاصطناعي

أشارت “بي بي سي” إلى أن بعض الصفحات تستخدم أسماء توحي بأنها بريطانية محلية، مثل صفحة “Great British People”، التي حقق أحد فيديوهاتها أكثر من 1.3 مليون مشاهدة.
ويظهر في الفيديو رجل بريطاني مسن يبكي بسبب معاشه التقاعدي، في حين تعرض فيديوهات أخرى “مراسلين” يتحدثون عن “الهجرة الجماعية” ويسألون المشاهدين:
“هل تفتقدون بريطانيا التي كنا نعرفها؟”
لكن التحقيق كشف أن الصفحة تُدار فعليًا من سريلانكا، وأن المحتوى يعتمد كثيرًا على مقاطع وصور مولدة بالذكاء الاصطناعي.
برلمان بالشريعة وصور خيالية عن لندن

بحسَب التقرير، تنشر بعض الحسابات مقاطع مزيفة تُظهر مجلس العموم البريطاني ممتلئًا برجال يرتدون الزي العربي التقليدي، مع تعليقات توحي بأن “الشريعة الإسلامية” أصبحت تحكم بريطانيا.
كما تعرض فيديوهات أخرى نساء محجبات يتحدثن عن ضرورة أن تصبح بريطانيا “أكثر إسلامية”.
وفي نمط متكرر، تصور هذه الحسابات مدنًا بريطانية في عام 2050 باعتبارها:
- متسخة وطافحة بالنفايات
- تعمها الفوضى والحرائق
- تنتشر فيها لافتات “حلال”
- ويهيمن عليها مهاجرون ومسلمون.
وشملت هذه المقاطع مدنًا مثل لندن وليفربول وبرمنغهام، إلى جانب عواصم ومدن غربية أخرى.
صادق خان: بعض الجهات مدعومة من دول معادية
ونقلت “بي بي سي” عن عمدة لندن صادق خان قوله إن بعض الجهات التي تدير هذه الحسابات تسعى فقط إلى تحقيق الأرباح بإثارة الانقسام، في حين تقف خلف بعضها الآخر “دول معادية” مثل روسيا وإيران.
وقال خان: إن بلدية لندن رصدت خلال العامين الماضيين ارتفاعًا حادًّا في هذا النوع من المحتوى، الذي يروج لصورة “ديستوبية” عن العاصمة البريطانية.
وأضاف:
“قلقي هو أن يبدأ أشخاص عاديون بتصديق هذه الأكاذيب التي تصور لندن كمدينة خطِرة وفاشلة بلا قانون أو نظام”.
صناعة تضليل عابرة للحدود
بحسَب التحقيق، تعتمد هذه الشبكات على شراء حسابات قديمة مسجلة في بريطانيا لإعطاء انطباع زائف بأنها محلية.
ووصف البروفيسور ساندر فان دير ليندن، أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة كامبريدج، هذه الظاهرة بأنها “تطور جديد في عمليات التأثير والتلاعب بالرأي العام”.
وأضاف أن صناعة “التضليل مقابل المال” أصبحت تنمو بسرعة، عبر استخدام حسابات وهمية ومؤثرين مزيفين وروبوتات رقمية لدفع أجندات سياسية أو تحقيق الأرباح من التفاعل والمشاهدات.
المشكلة ليست في الفيديوهات فقط… بل في الناس
يشير التقرير إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بقدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج محتوى مزيف، بل أيضًا بصعوبة تمييز الجمهور بين الحقيقي والمفبرك.
وفي هذا السياق قالت البروفيسورة إيفون ماكديرموت ريس من جامعة كوينز في بلفاست: إن الدراسات تشير إلى أن الناس يعتقدون أنهم بارعون في اكتشاف التزييف، لكن دقتهم الفعلية لا تتجاوز نحو 55 في المئة.
وأضافت أن التعرض المستمر لهذا النوع من المحتوى يجعل الناس أقل قدرة على التمييز بين الحقيقة والخيال، وأكثر ميلًا للتشكيك حتى في المواد الحقيقية.
شركات التكنولوجيا تحت الضغط
دعا صادق خان شركات التواصل الاجتماعي إلى تعديل خوارزمياتها وعدم مكافأة المحتوى “القائم على السم والانقسام”، مع وضع علامات واضحة على المواد المنتجة بالذكاء الاصطناعي.
من جانبها قالت شركة “ميتا” المالكة لفيسبوك وإنستغرام: إنها تتعامل بجدية مع “السلوك المنسق غير الحقيقي”، مؤكدة أنها تمتلك فرقًا متخصصة لرصد هذه الأنشطة وتعطيلها عند مخالفة سياسات المنصة.
ويكشف التحقيق أن الأزمة لا تتعلق فقط بتطور أدوات الذكاء الاصطناعي، بل أيضًا بتنامي شعبية الخطابات القائمة على الخوف والكراهية، ما يجعل المنصات الرقمية بيئة مثالية لاستغلال الانقسامات الاجتماعية وتضخيمها عبر محتوى دعائي عابر للحدود.
المصدر: بي بي سي
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇