العرب في بريطانيا | فوز أندي بيرنام ودخوله البرلمان رسميًا.. هل بدأ...

فوز أندي بيرنام ودخوله البرلمان رسميًا.. هل بدأ العد التنازلي لنهاية زعامة كير ستارمر؟

فوز أندي بيرنام ودخوله البرلمان رسميًا.. هل بدأ العد التنازلي لنهاية زعامة كير ستارمر؟
عبلة قوفي يونيو 19, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

مع فوز أندي بيرنام الساحق في انتخابات مايكرفيلد الفرعية وعودته رسميًا إلى مجلس العموم، تتجه الأنظار إلى مستقبل قيادة حزب العمال أكثر من أي وقت مضى. فالرجل الذي أعاد بناء مكانته السياسية من خارج وستمنستر عبر رئاسة بلدية مانشستر الكبرى، لم يعد مجرد نائب عائد إلى البرلمان، بل بات يُنظر إليه بوصفه أحد أبرز المرشحين المحتملين لخلافة كير ستارمر. ويرى مراقبون أن هذا الانتصار لا يعكس فقط شعبية بيرنام المتنامية، بل يمثل أيضًا اختبارًا حقيقيًا لقدرة قادة الأقاليم والمدن على التحول إلى شخصيات وطنية مؤثرة، ما يثير تساؤلات جدية حول ما إذا كانت عودته تشكل بداية العد التنازلي لنهاية زعامة ستارمر داخل حزب العمال.

وقد حقق بيرنام فوزًا كاسحًا بحصوله على 55% من الأصوات، متفوقًا بمفرده على مجموع الأصوات التي حصل عليها حزبا «ريستور يو كيه» و«ريفورم» اليميني. ويعكس هذا الإنجاز حجم التحول الذي شهدته مكانة رؤساء البلديات الإقليمية في المشهد السياسي البريطاني، حيث لم تكن أهميتهم السياسية يومًا أكبر مما هي عليه اليوم.

مسار سياسي مختلف

على امتداد العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، سلك السياسيون البريطانيون الطامحون إلى المناصب العليا طريقًا مألوفًا يبدأ من وستمنستر مرورًا بالمناصب الوزارية وحكومة الظل وانتهاءً بالمنافسة على زعامة الأحزاب. لكن مسيرة أندي بيرنام اتخذت منحى مختلفًا.

انتُخب بيرنام نائبًا عن دائرة ليه في مانشستر الكبرى عام 2001، وسرعان ما رسّخ مكانته كأحد النجوم الصاعدة في حزب العمال. وبعد إعادة انتخابه عام 2005، تولّى سلسلة من المناصب الوزارية والقيادية داخل الحزب، فشغل مقاعد في حكومة غوردون براون، ثم تولّى مناصب بارزة في صفوف المعارضة.

وأصبح بيرنام حاضرًا باستمرار في سباقات قيادة حزب العمال، إذ حلّ رابعًا في انتخابات الزعامة التي فاز بها إد ميليباند عام 2010، ثم خاض المنافسة مجددًا في السباق الذي انتهى بفوز جيريمي كوربن عام 2015.

لكن مسيرته السياسية بدت وكأنها وصلت إلى طريق مسدود بعد ذلك. غير أن قراره بمغادرة وستمنستر والترشح لمنصب عمدة مانشستر الكبرى المستحدث عام 2017 غيّر مسار مستقبله السياسي بالكامل.

من تراجع ظاهري إلى إعادة ابتكار سياسي

andy burnham in a suit pictured in 2016.

في البداية، بدا انتقال بيرنام إلى منصب العمدة وكأنه انسحاب من السياسة الوطنية، إلا أنه تحوّل لاحقًا إلى فرصة لإعادة بناء حضوره السياسي. فمن خلال هذا المنصب، حصل على ما يفتقر إليه كثير من السياسيين في وستمنستر: سلطة تنفيذية مباشرة على منطقة جغرافية محددة.

ورغم أن صلاحيات رؤساء البلديات في إنجلترا لا تزال محدودة مقارنة بنظرائهم في دول أخرى، فإنها تمنحهم مسؤوليات مباشرة في مجالات النقل والتنمية الاقتصادية والإسكان والتخطيط الاستراتيجي عبر مناطق حضرية واسعة.

وقد شكّلت جائحة كورونا نقطة تحول بارزة في صعود بيرنام. إذ أدى صدامه مع حكومة بوريس جونسون بشأن قيود الإغلاق والدعم المالي المخصص لمانشستر الكبرى إلى رفع مكانته على المستوى الوطني.

فبالنسبة إلى مؤيديه، أصبح صوتًا يدافع عن استقلالية الأقاليم ومصالحها المحلية، بينما رأى منتقدوه أنه سياسي بارع استخدم منصبه المحلي لمواجهة الحكومة المركزية. وفي الحالتين، منحته رئاسة البلدية منصة سياسية مستقلة عن وستمنستر.

هل يصبح رؤساء البلديات طريقًا إلى رئاسة الحكومة؟

تكمن أهمية عودة بيرنام إلى البرلمان في أنها تطرح سؤالًا أوسع: هل يمكن أن تتحول مناصب رؤساء البلديات الإقليميين إلى مسار بديل للوصول إلى قيادة البلاد؟

لطالما تميّزت بريطانيا بتركيز السلطة السياسية في المؤسسات الوطنية. ورغم أن الحكم المحلي أفرز شخصيات سياسية مؤثرة، فإنه نادرًا ما كان يشكل نقطة انطلاق مباشرة نحو أعلى المناصب. وعلى خلاف العديد من الأنظمة الأخرى، كان يُنظر إلى القيادة المحلية باعتبارها مرتبة أدنى من السياسة الوطنية، لا مسارًا موازيًا لها.

لكن الواقع مختلف في كثير من دول العالم، حيث يُعد منصب العمدة بوابة معروفة للوصول إلى السلطة الوطنية.

وتُعد فرنسا من أقرب الأمثلة إلى النموذج البريطاني؛ إذ جمع رؤساء سابقون مثل جاك شيراك ونيكولا ساركوزي وفرانسوا هولاند بين الخبرة التنفيذية المحلية والطموحات الوطنية. كما تولّى عدد من رؤساء الوزراء الفرنسيين السابقين مناصب عُمداء المدن الكبرى قبل انتقالهم إلى الحكم الوطني.

وفي السنوات الأخيرة، أثبت زعماء مثل ماتيو رينزي في إيطاليا، وجوكو ويدودو في إندونيسيا، وكلوديا شينباوم في المكسيك، أن إدارة المدن الكبرى يمكن أن تكون طريقًا فعّالًا للوصول إلى قيادة الدولة.

ومع ذلك، لا تنتهي جميع المسارات البلدية بالنجاح الوطني. فقد فشل عُمداء نيويورك السابقون رودي جولياني ومايكل بلومبرغ وبيل دي بلاسيو في تحويل شهرتهم المحلية إلى نجاح سياسي على المستوى الوطني، كما أخفق عمدة باريس السابق برتران ديلانويه وخلفه آن هيدالغو في الوصول إلى مناصب أعلى. لكن مجرد اعتبار هذه الطموحات واقعية يعكس المكانة التي تمنحها القيادة التنفيذية للمدن الكبرى.

ليس على طريقة بوريس جونسون

Bastion of freedom': Former UK Prime Minister Boris Johnson calls on Liberty students to uphold Western ideals | Liberty News

يُقارن كثيرون بين أندي بيرنام وبوريس جونسون، لكن الطريق الذي سلكه كل منهما مختلف.

فجونسون وصل إلى داونينغ ستريت بعد عودته إلى البرلمان وتوليه وزارة الخارجية عقب فترة رئاسته لبلدية لندن. أما بيرنام فقد أعاد بناء مكانته السياسية من خلال إدارة مانشستر الكبرى نفسها، وليس عبر المناصب البرلمانية أو حكومة الظل.

ومن هذه الزاوية، فإن التحول الذي شهدته مسيرته السياسية يُعد ثمرة مباشرة لتجربة اللامركزية السياسية بقدر ما هو نتاج للعمل البرلماني التقليدي.

ويتميّز بيرنام أيضًا بأن جاذبيته السياسية لا تستند فقط إلى شعبيته الانتخابية، بل إلى الخبرة العملية التي اكتسبها في إدارة سلطة إقليمية تضم مجالس محلية وقادة أعمال وهيئات عامة وحكومة مركزية. فالنجاح في هذا النوع من الحكم يتطلب بناء التوافقات والشراكات، أكثر من الاعتماد على الانضباط الحزبي أو المواجهات السياسية التقليدية.

وهذه مهارات تبدو مطلوبة أكثر من أي وقت مضى في السياسة البريطانية، في ظل تراجع الثقة العامة في وستمنستر وتعقّد التحديات التي تواجه الحكومات الحديثة.

اختبار لمستقبل اللامركزية في إنجلترا

لا يعني ذلك أن نجاح بيرنام في البرلمان أو في سباق قيادة حزب العمال أمر مضمون. كما أنه لا يمثل النموذج التقليدي لرؤساء البلديات الإقليميين، إذ وصل إلى منصبه بعد مسيرة طويلة داخل البرلمان والحكومة، ما منحه رصيدًا سياسيًا لا يتوفر لكثير من نظرائه.

لكن هذا لا يقلل من أهمية عودته. فبغض النظر عن مصير طموحاته القيادية، يبدو أن رؤساء البلديات الإقليميين في إنجلترا تجاوزوا دورهم الأصلي بوصفهم مجرد مسؤولين عن النقل والتنمية الاقتصادية.

فبعد أقل من عقد على إنشاء معظم هذه المناصب، بدأت تتحول إلى مراكز مستقلة للنفوذ السياسي، وربما إلى منصات قادرة على إنتاج قادة وطنيين في المستقبل.

ولعقود طويلة، كان يُنظر إلى الحكم المحلي باعتباره مجرد محطة في الطريق إلى وستمنستر. أما مسيرة أندي بيرنام فتشير إلى أن العلاقة بين المستويين المحلي والوطني أصبحت أكثر تعقيدًا. فبدلًا من أن يكون الحكم المحلي بديلًا عن وستمنستر، قد يصبح الطريق الذي يمر عبره السياسيون الطامحون إلى قيادة البلاد.

وفي النهاية، لا يقتصر السؤال الذي تثيره عودة أندي بيرنام إلى البرلمان على ما إذا كان قادرًا على قيادة حزب العمال، بل يتجاوز ذلك إلى التساؤل عما إذا كانت تجربة اللامركزية في إنجلترا قد وصلت إلى مرحلة تجعل إدارة مدينة أو إقليم حضري مؤهلًا حقيقيًا لإدارة الدولة بأكملها.

المصدر: The Conversation


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا