فنزويلا تمدّ دروس غزّة إلى نصف الكرة الغربي
لم يكن اختطاف الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته في نهاية الأسبوع الماضي مجرد تصعيد في نزاع طويل الأمد.
كان إعلانًا صريحًا، جرى عبر العنف، مفاده أن السيادة في نصف الكرة الغربي ليست سوى سراب خاضع للتدخل الأميركي، وأن القانون الدولي أداةٌ تُستخدم ضد الخصوم والدول الضعيفة، لا التزامٌ يُقيّد القوى الكبرى أو الإمبراطوريات.
وبينما صوّرت واشنطن العملية بوصفها “إنفاذًا للقانون”، فقد بدت في الواقع أقرب إلى غارة عسكرية، وهو ما أكّدته كلمات الرئيس دونالد ترامب نفسه. إذ وصف العملية بأنها “ناجحة للغاية”، وقال: إن الولايات المتحدة ستتولى “إدارة البلاد” إلى حين حصول “انتقال آمن وسليم ومتزن”.
كما وجّه تحذيرًا صريحًا إلى القادة السياسيين في فنزويلا قائلًا: إن “ما حدث لمادورو يمكن أن يحدث لهم”، ومؤكدًا أنه لا يخشى إرسال “قوات على الأرض”.

لغة الغزو لا منطق القانون
الأكثر بروزًا كان قرار ترامب ربط العملية علنًا بالنفط. فقد ادّعى، بلا مواربة، أن فنزويلا “سرقت” نفطًا من صناعة “بنتها الولايات المتحدة بالموهبة والعزم والمهارة الأميركية”، واصفًا ذلك بأنه “واحدة من أكبر سرقات الملكية الأميركية في تاريخ بلادنا”.
هذه لغة تنتمي إلى معجم الاحتلال والغزو، لا إلى مفردات الشرعية أو العدالة.
مبدأ مونرو والإمبريالية بوصفها سياسة ثابتة
لفهم أفعال ترامب في فنزويلا، لا بد من وضعها في سياق نمط أوسع من الإمبريالية. فمنذ إعلان مبدأ مونرو عام 1823 على يد الرئيس الأميركي الخامس جيمس مونرو، سعت الولايات المتحدة إلى تكريس نصف الكرة الغربي مجالًا خاضعًا لهيمنتها.
ومع مرور الزمن، تحوّل هذا المبدأ إلى عقيدة فرض بالقوة: تحدد فيها واشنطن أي الحكومات تُعد “شرعية”، وأيها “خطرة” وتستوجب العقوبات أو الإطاحة، وأي الموارد تُعد “استراتيجية” ويمكن الاستحواذ عليها بأي وسيلة.
عندما تعرقل حكومة ما الهيمنة الأميركية أو أولوياتها الاقتصادية والاستراتيجية، تصبح زعزعة الاستقرار سياسة معتمدة، وتُستدعى شعارات مثل “الديمقراطية” و”مناهضة الشيوعية” و”مكافحة الإرهاب” و”الحرب على المخدرات” لتبرير الإكراه.
الوقاحة بدل الإنكار في كانون الثاني/يناير 2026
الجديد في كانون الثاني/يناير 2026 ليس النية، بل الوقاحة. فالتدخلات السابقة كانت تعتمد على الإنكار عبر الوكلاء، والتمويل السري، و”المستشارين”. أما هنا، فقد اعتنق الرئيس الأميركي علنًا منطق الهيمنة، مفترضًا أن العالم سيرتدع أمام الاستعراض المكشوف للقوة الأميركية الغاشمة.
النفط والمعادن: جوهر الصراع الحقيقي
تقع فنزويلا فوق أكثر من 300 مليار برميل من النفط، وهي أكبر احتياطات نفطية مؤكدة في العالم. ولم يكن هذا الواقع يومًا محايدًا أخلاقيًّا داخل نظام إمبريالي يعتبر الطاقة مرادفًا للقوة.
لكن الأمر لا يقتصر على النفط. فحزام أورينوكو المعدني في فنزويلا غني بالذهب والمعادن النفيسة، إذ تمتلك البلاد أكثر من 8 آلاف طن من الذهب، ما يجعلها من أكبر الاحتياطيات عالميًّا.

تكمن أهمية ذلك في أن التدخلات التي تُسوَّق بوصفها “مكافحة للمخدرات” أو “مناهضة للفساد” تخفي في الغالب هدفًا آخر: تمكين ترامب ورؤساء الشركات المتعددة الجنسيات من تقرير من يسيطر على الامتيازات، ومن يتحكم في طرق التجارة، ومن يستثمر ما في باطن الأرض.
كما تمتلك فنزويلا مليارات الأطنان من خام الحديد، واحتياطيات كبيرة من العناصر الأرضية النادرة، والنيكل، والنحاس، والفوسفات، وهي موارد أساسية للتكنولوجيا الحديثة والإنتاج الصناعي، ويشمل ذلك صناعة الصلب الضرورية للتسليح العسكري.
وفي التنافس الجيوسياسي، يحدد التحكم في موارد الصناعات الثقيلة ميزان القوى في الغالب.
العقوبات والحصار تمهيدًا لتغيير الأنظمة
في الأسابيع والأشهر التي سبقت الهجوم، شددت الولايات المتحدة الخناق على فنزويلا بطرق كشفت بوضوح غاياتها الاستراتيجية. ففي كانون الأول/ديسمبر الماضي، فرضت واشنطن حصارًا بحريًّا عطّل حركة ناقلات النفط، وصادر شحنات، وخفّض الصادرات النفطية إلى النصف.
ما أظهرته واشنطن ليس فقط أن العقوبات تُلحق الضرر، بل أن العقوبات والحصارات والمصادرات وسرديات “إنفاذ القانون” تُستخدم كنيران تمهيدية لتغيير الأنظمة.
تفكيك النموذج الاجتماعي الفنزويلي
لم يكن الهدف الأميركي مجرد تغيير وجهة تدفق النفط الفنزويلي، بل تغيير ما يُبنى به هذا النفط داخل البلاد.
فبعد انتخاب هوغو تشافيز رئيسًا عام 1998، أعادت فنزويلا توجيه عائدات النفط نحو برامج اجتماعية واسعة النطاق لمعالجة عقود من اللامساواة الفادحة. وفي السنوات التالية، انخفض الفقر بأكثر من النصف، وتراجع الفقر المدقع كثيرًا، وتوسّع الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والإسكان والدعم الغذائي.
كان هذا النموذج تحديدًا ما سعت السياسة الأميركية إلى تفكيكه، بدءًا من إجراءات مالية مستهدفة في منتصف العقد الأول من الألفية، ثم تصعيدًا بعد عام 2015 إلى عقوبات شاملة على النفط والبنوك والتجارة.
وكان التدهور الإنساني الذي أعقب ذلك نتيجة مباشرة: تقويض متعمد للمكاسب الاجتماعية عبر خنق اقتصادي خارجي، لا يسعى إلى إصلاح الحكم، بل إلى فرض انهيار النظام بجعله غير قابل للاستمرار اقتصاديًّا.
ازدواجية القانون الدولي
بعد اختطاف مادورو، وصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو العملية بأنها “إنفاذ للقانون”، رغم إدانتها من دول عديدة في المنطقة، بينها المكسيك والبرازيل وكولومبيا، فضلًا عن دول أخرى حول العالم.
وقالت الصين: إنها “مصدومة بشدة وتدين بقوة استخدام الولايات المتحدة المتهور للقوة ضد دولة ذات سيادة واستهداف رئيسها”.
إصرار واشنطن على توصيف الاختطاف بوصفه مجرد “إنفاذ للقانون” ليس فقط غير مقنع، بل كاشف سياسيًّا. فالاتهام القضائي الأميركي ضد مادورو، الذي كُشف عنه عقب الغارة العسكرية، لا يشكّل دليلًا على جريمة، بل ختمًا لاحقًا لتطبيع ما فعلته الإمبراطورية الأميركية.
وفي الوقت الذي ادّعى فيه ترامب أن الولايات المتحدة ستتولى إدارة فنزويلا، أصدرت وزارة خارجيته تحذيرًا يفيد بأنها لا تستطيع مساعدة المواطنين الأميركيين العالقين هناك.
غزة بوصفها اختبارًا عالميًّا للشرعية
لا يمكن فهم مسألة فنزويلا بمعزل عن غزة، التي تحولت إلى اختبار عالمي لمفهوم الشرعية في السياسة الدولية.
فعلى مدى العامين الماضيين، وفّرت واشنطن غطاءً سياسيًّا لإسرائيل، وسلّحتها عسكريًّا، وعملت على تقويض أي مساعٍ للمساءلة عن جرائمها المتعددة.

في القضية التي رفعتها جنوب إفريقيا متهمة إسرائيل بالإبادة الجماعية، أصدرت محكمة العدل الدولية تدابير مؤقتة في كانون الثاني/يناير 2024، عُدّلت وأُعيد تأكيدها في آذار/مارس وأيار/مايو من العام نفسه. ومع ذلك، ظل الوضع الإنساني في غزة كارثيًّا، كما وثقته هيئات الأمم المتحدة مرارًا، مع استمرار القتل والنزوح الجماعي، حتى خلال ما سُمّي بوقف إطلاق النار.
وعلى مستوى المساءلة الجنائية، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لكنها لم تُنفذ.
يظهر هنا تباين صارخ في كيفية تطبيق القانون بين فنزويلا وإسرائيل.
يُختطف مادورو بلا محاكمة، وتُوضع بلاده تحت إدارة “انتقالية” أجنبية، أما نتنياهو فيعامَل معاملة الشريك الاستراتيجي. وهكذا يُقوَّض نظام يدّعي شرعية كونية عبر نظام استثناءاته الخاصة.
الردع النووي وحدود القوة الأميركية

في أوكرانيا، يصرّ الغرب على أن الحدود مصونة وأن العدوان جريمة. أما في غزة وفنزويلا، فيُبرَّر العكس. ليست المبادئ هي التي تحدد متى تُحترم السيادة، بل القوة.
الدرس المركزي الذي تقدمه فنزويلا للعالم قاتم لكنه واضح. لا تستطيع الولايات المتحدة أن تفعل بكوريا الشمالية ما فعلته بفنزويلا؛ لأن بيونغ يانغ تمتلك ردعًا نوويًّا موثوقًا، أما فنزويلا فلا تمتلكه.
سجل ترامب نفسه يؤكد هذا المنطق. فمع كوريا الشمالية، اضطرت واشنطن إلى إدارة الردع والتفاوض؛ لأن تكلفة الإطاحة أو الاحتلال ستكون تصعيدية على نحو وجودي.
إيران واستحالة نموذج فنزويلا
وهكذا تصبح فنزويلا دراسة حالة تعزز، في أنحاء الجنوب العالمي، الحجة القائلة إن القدرات النووية تعمل كتأمين للأنظمة. وليس هذا تبريرًا أخلاقيًّا للانتشار النووي، بل قراءة تجريبية للسلوك الإمبريالي، تستند إلى منطق واقعي في الجغرافيا السياسية.
ينطبق منطق الردع هذا بدرجة أكبر على إيران، وهو ما يفسر لماذا ستفشل على الأرجح عملية على غرار فنزويلا في طهران، رغم استمرار بعض الأوساط في واشنطن وتل أبيب في التلويح بها. فمثل هذا الهجوم سيصطدم بقيود بنيوية لا تستطيع الولايات المتحدة تحييدها بالقوة.
وقد أظهرت إيران قدرتها على الرد خلال حرب الاثني عشر يومًا في حزيران/يونيو الماضي. فبامتلاكها ترسانة كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، ومنشآت محصّنة، وقدرة على ضرب قواعد إقليمية وبنى تحتية حيوية، تستطيع إلحاق أضرار جسيمة بخصومها. وأي تصعيد لن يبقى محليًّا بالضرورة.
يشكّل مضيق هرمز شريانًا حيويًّا للاقتصاد العالمي. ووفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، شكّلت تدفقات النفط عبر المضيق في عامي 2024–2025 أكثر من ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا، ونحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط والمنتجات البترولية.
ومع عدد سكان يبلغ 92 مليون نسمة، ومساحة تمتد على 1.6 مليون كيلومتر مربع، لا تُعد إيران مشروع احتلال قابلًا للإدارة ديمغرافيًّا أو جغرافيًّا.
المجتمع تحت الحصار وتصلّب المقاومة
أظهر الاحتلال الأميركي للعراق وأفغانستان أن القوة الساحقة قادرة على إسقاط دولة، لكنها عاجزة عن حكم مجتمع يرفض المحتل. وقد أمضت إيران عقدين في دراسة تلك الإخفاقات، وتطوير وسائل مواجهة غير متماثلة، ويشمل ذلك العمق الإقليمي.
تعتمد عمليات تغيير الأنظمة على قليل من القبول الشعبي، وكثير من الاختراق الاستخباري والانشقاقات والخيانة الداخلية. ومن المرجح أن تؤدي عملية مادورو إلى تكثيف الجهود -لا تقليصها- داخل فنزويلا لتفكيك شبكات الاستخبارات الأجنبية ومنع اختراقات مستقبلية، وهو استنتاج تشكله تجارب سابقة، من بينها الانقلاب الفاشل على تشافيز عام 2002.
وعلى المستوى المجتمعي، تعكس التعبئة المؤيدة للحكومة، ويشمل ذلك دعوات قوات الاحتياط المدنية وبنى الدفاع المجتمعية لمواجهة التدخل الأجنبي، نمطًا أخطأت واشنطن في قراءته مرارًا، من العراق إلى أفغانستان. فإزاحة قائد لا تُطفئ المقاومة حين يُنظر إلى التدخل على أنه هيمنة أجنبية مرتبطة بالاستيلاء على الموارد الوطنية.
تواجه فنزويلا بذلك معضلة مألوفة للولايات المتحدة. فقد تُضعف العقوبات الدولة، لكنها تصلّب المجتمع سياسيًّا تحت الحصار. الإكراه في القمة يُرسّخ المعارضة في القاعدة.
عندما يصبح القانون أداة قوة لا عدالة

كشفت غزة خواء الكونية الغربية والليبرالية والعولمة. وتمدّ فنزويلا الدرس نفسه إلى نصف الكرة الغربي بوضوح يصعب حتى على الحلفاء تجاهله. فعندما يُفرض “القانون” على الخصوم فقط، كما تُظهر غزة وفنزويلا، يفقد قيمته، ويتحوّل إلى أداة سلطة. وحين يُربط العدوان علنًا بالنفط، تكفّ الإمبراطورية عن التظاهر بأنها شيء آخر.
قبل أكثر من ألفي عام، وجّه الإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس تحذيرًا بسيطًا للحكام القادمين: “انظر إلى الماضي، إلى الإمبراطوريات المتغيّرة التي قامت وسقطت، وسترى المستقبل أيضًا”.
أما ترامب، فلم يهتم يومًا بالإصغاء إلى النصيحة الحكيمة.
المصدر: ميدل إيست آي
اقرأ أيضاً
- كيف تناول الإعلام البريطاني القصف الأميركي على فنزويلا ؟
- ستارمر: لن ندين انقلاب ترامب في فنزويلا ولن نحزن على مادورو
- مؤتمرات فلسطينية تندد بالعدوان الأمريكي على فنزويلا واختطاف الرئيس مادورو
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇

لماذا لا نعترف بأنه بعد الحرب العالمية الثانية يعيش العالم تحت شريعة الغاب التي شرعنها المنتصرون بالحرب والى يومنا هذا. والحكومات واخزابها عصابات مافيا بكل معنى الكلمه. والشعوب هي من تدفع الثمن في كل الدول بما فيها شعوب أمريكا وأوروبا