العرب في بريطانيا | فاراج تحت الاختبار: لماذا قد يكون هذا آخر عام ل...

1447 رجب 22 | 11 يناير 2026

فاراج تحت الاختبار: لماذا قد يكون هذا آخر عام له في القمة

مقالFHD
سيمون جنكينز January 4, 2026

لا جدال في الكاريزما التي يتمتع بها زعيم حزب “ريفورم يو كيه”، غير أن الحزب يفتقر إلى العمق والخبرة اللازمين للحكم، ويبدو أن الناخبين بدأوا يدركون هذه الحقيقة على نحو متسارع.

أشعر بقدر من القلق على نيجل فاراج. كان من المفترض أن يكون عام 2026 عامه الفاصل، عام الصعود الحاسم. ففي العام الماضي، نجح حزب “ريفورم” الذي يقوده في تصدّر استطلاعات الرأي، واحتُفي به في واشنطن باعتباره “ترامب بريطانيا” ورئيس الوزراء المقبل. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: كيف يمكن تحويل سلسلة من نتائج الاستطلاعات إلى ماكينة انتخابية منضبطة قادرة على الفوز؟ أم أن فاراج لم يفعل خلال العام المنصرم سوى ما تفعله معظم الأحزاب الثالثة في هذه المرحلة من عمر البرلمان، أي الاستفادة من تعثّر خصومها أكثر من بناء بديل حقيقي؟

دفعت استطلاعات الرأي الحزب إلى الصدارة في ربيع العام الماضي، وحافظ على تقدمه طوال الصيف، مسجلًا ذروة بلغت 29 في المئة وفق “يوغوف”، و33 في المئة بحسب “مور إن كومون”. غير أن المؤشرات الأخيرة توحي بأن هذا الصعود ربما بلغ منتهاه، إذ أظهر استطلاع “يوغوف” في ديسمبر تراجع التأييد إلى 26 في المئة، وهو أدنى مستوى منذ أبريل. ويُعزى جزء من هذا التراجع إلى تنامي الدعم لزعيمة المحافظين كيمي بادنوك، فضلًا عن ارتفاع التصويت المشترك لليبراليين الديمقراطيين والخضر إلى قرابة 30 في المئة. ويبدو أن هذا الارتباك سيستمر حتى انتخابات المجالس المحلية في مايو المقبل، فيما يبقى الرهان على النتائج في هذه المرحلة أقرب إلى المقامرة.

وفي الوقت ذاته، لا يزال حزب فاراج أقرب إلى عرض فردي منه إلى تنظيم سياسي متماسك. أتذكر أنني التقيته قبل الاستفتاء وسألته عن أوضاع المكتب الخلفي لحزبه، وما إذا كانت الفوضى التي اشتهر بها قد انتهت. رفع نظره إلى السقف دون إجابة واضحة. فالتاريخ السياسي البريطاني عرف شخصيات كاريزمية لامعة، من إينوك باول وروي جنكينز إلى ناي بيفان ولويد جورج وحتى ونستون تشرشل، لكنه نادرًا ما منحهم السلطة عبر تصويت شخصي مباشر. ففي بريطانيا، يصوّت الناخبون للأحزاب وبرامجها، لا للأفراد وحدهم، بخلاف الولايات المتحدة التي تنتخب نجومًا شعبويين معتمدة على دستورها لكبح أي نزعة سلطوية لاحقة.

لم تكن مقولة أليكسيس دو توكفيل الشهيرة، بأن السياسة الأميركية تميل إلى منطق الحشود بينما تميل البريطانية إلى منطق النوادي، أكثر دقة مما هي عليه اليوم. فقد استند نجاح المحافظين على مدى قرن كامل إلى تقديم فرق حكومية منضبطة تضم وزراء يتمتعون بحد معقول من الكفاءة، ويلتزمون بمبدأ أساسي هو الولاء الجماعي. كانوا يعملون معًا، ويتواصلون اجتماعيًا، ويحكمون بروح الفريق، كما كان الحال في العديد من حكومات حزب العمال.

وقد صمد هذا التقليد حتى عهد ديفيد كاميرون، لكنه انهار في زمن بوريس جونسون، حين طغت عقلية المؤامرات، ولم يستعد عافيته منذ ذلك الحين. برز مفهوم الحكومة المتصارعة إلى العلن، ولا يزال حاضرًا حتى اليوم، كما يتجلى في الفئوية التي طبعت السنة الأولى من حكم كير ستارمر، حيث لا يتوقف الوزراء والمسؤولون عن تسريب المعلومات ضد بعضهم بعضًا.

ولا يختلف وضع فاراج كثيرًا عن هذا المشهد. فهو يجد نفسه مضطرًا باستمرار للدفاع عن زملائه، وعن نفسه، إثر زلة لسان تلو الأخرى. وقد تحولت قيادة الحزب وعضويته إلى حالة دوران مستمر، إذ تعاقب ثلاثة رؤساء للحزب خلال أقل من عامين، فيما جاء أحدث قادته في ويلز ليجد نفسه خلف القضبان.

والنتيجة كيان سياسي يصعب التعرف إليه بوصفه حزبًا متكاملًا. فأقرب ما لدى “ريفورم” إلى وزير ظلّ للخزانة يبدو أنه رجل أعمال في قطاع العقارات، نِك كاندي. ولا توجد نواة من المحترفين المخضرمين، وهي عنصر حاسم لأي نجاح انتخابي. وبدلًا من ذلك، يضم الحزب مجموعة من نواب محافظين سابقين ناقمين، مثل أندريا جينكنز وآن ويديكومب وداني كروغر، ولا يُعرف عن أيٍّ منهم التزام حزبي راسخ. أما منسق الانضباط الحزبي لي أندرسون، فقد سبق له الترشح باسم حزب العمال ثم حزب المحافظين.

حاول فاراج جاهدًا تحديد موقع حزبه على الخريطة السياسية. سعى إلى نيل مباركة دونالد ترامب وإيلون ماسك في مارالاغو، ثم اضطر لاحقًا لتحمّل استخفاف ماسك به عندما رفض دعم تومي روبنسون المثير للجدل. وأحسن صنعا حين نأى بنفسه عن بعض الدوائر الأكثر تطرفًا المحيطة بترامب، مثل مؤسسة “هيريتيج”، لكنه لا يزال يقدّم نفسه بوصفه قريبًا من شخصيات مثل ستيف بانون، وقضى وقتًا مع جي دي فانس. وهي مجازفة في بلد تتراجع فيه شعبية ترامب بشدة، إذ لا يحظى سوى بتأييد 22 في المئة من البريطانيين، مقابل معارضة تبلغ 72 في المئة.

وعلى صعيد السياسات، يواجه فاراج خطرًا آخر حين يكاد يختزل مشروعه السياسي في ملف الهجرة. فالأحزاب ذات القضية الواحدة قد تحقق نجاحًا ظرفيًا، لكن من يضمن موقع الهجرة في أجندة الناخبين بحلول عام 2029؟ قد يكون لـ”ريفورم” حضور في 12 مجلسًا محليًا، لكن يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان تبنّيه نهج التخفيضات الحادة في الإنفاق العام، على طريقة إيلون ماسك، سيقنع الناخبين. لذلك، يسعى فاراج الآن إلى توسيع خطابه عبر تبنّي قضايا أخرى، مثل الريف ودعم الطاقة الخضراء، على أمل استقطاب ناخبين من المحافظين.

لا يمكن إنكار جاذبية فاراج على المنصة. فهو ودود، سريع البديهة، متحمس، وقادر على الاختصار، وهي صفات تناسب منطق الحشود الذي تحدث عنه دو توكفيل، لكنها أقل ملاءمة لواقع الحكم في “نادي” السياسة البريطانية. كما أن هذه الصفات لن تكون كافية داخل مكاتب وستمنستر المعتمة وممراتها خلال العامين المقبلين. والتوقع الأكثر ترجيحًا هو أن الانتخابات القادمة ستفرز برلمانًا معلقًا متعدد الأحزاب، يعجّ بالفوضى والتجاذبات. وفي مثل هذا المشهد، لا يبدو أن نيجل فاراج سيخرج منتصرًا.

 

المصدر: الغارديان

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا

آخر فيديوهات القناة