غسيل الأموال في بريطانيا: شركات محاماة تواجه تشديدًا رقابيًا عام 2026
في وقت تحاول فيه بريطانيا ترميم صورتها كأحد أكبر المراكز المالية في العالم، يعود ملف غسيل الأموال إلى الواجهة بوصفه اختبارًا حاسمًا لمصداقية الإصلاحات الحكومية. ومع اقتراب مراجعة دولية جديدة، يبدو أن القطاع القانوني مقبل على مرحلة أكثر صرامة، قد تعيد رسم العلاقة بين شركات المحاماة والرقابة المالية في البلاد.
من تشتّت الإشراف إلى قبضة واحدة

تتأهب شركات المحاماة البريطانية لحملة تشديد على غسيل الأموال، بعدما تقرر إسناد مهمة الإشراف إلى هيئة السلوك المالي (Financial Conduct Authority – FCA)، لتصبح الجهة الجديدة المسؤولة عن مكافحة غسيل الأموال في القطاع القانوني. ويحذّر خبراء من أن الخطوة قد تعني عقوبات أكثر حدّة وتغييرات بنيوية في الصناعة.
ويأتي توحيد الإشراف، الذي كان موزعًا حتى الآن بين تسع جهات رقابية، ضمن مسعى حكومي أوسع لمعالجة صورة بريطانيا بوصفها مركزًا لتدفقات “الأموال القذرة”. وتقدّر الوكالة الوطنية للجريمة (National Crime Agency – NCA) أن نحو 100 مليار باوند تُغسل سنويًا عبر بريطانيا أو داخلها، بمساعدة كيانات مُمكِّنة، من بينها شركات محاماة.
سمعة على المحك وتحذير دولي

تفاقمت المخاوف بشأن سمعة لندن في عام 2018، عقب تقييم أجرته مجموعة العمل المالي (Financial Action Task Force – FATF)، وهي الهيئة الدولية المعنية بمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. وأشار التقرير إلى ثغرات كبيرة في منظومة الإشراف على مكافحة غسيل الأموال في بريطانيا، داعيًا الحكومة إلى تعزيز الرقابة، ولا سيما في قطاعي المحاسبة والقانون.
كما صنّف التقييم الوطني البريطاني لمخاطر غسيل الأموال وتمويل الإرهاب القطاع القانوني بوصفه “عالي المخاطر” في جميع مراجعاته منذ عام 2017.
سباق مع الزمن قبل مراجعة 2027
ومع اقتراب مراجعة جديدة من مجموعة العمل المالي في آب/أغسطس 2027، تسارع الحكومة البريطانية إلى دفع الإصلاحات بوتيرة أعلى. وتقول بريا جيولياني، المحققة في الجرائم المالية والشريكة في شركة الاستشارات HKA، إن توقيت الخطوة “ليس مصادفة”.
وتضيف أن “الإلحاح واضح لتقديم نظام إشرافي موثوق ومتّسق وفعّال إلى مجموعة العمل المالي بحلول آب/أغسطس 2027”.
صلاحيات أوسع… وغرامات أثقل

ينتظر أن تتولى هيئة السلوك المالي الإشراف على غسيل الأموال في قطاع الخدمات المهنية، بما يشمل شركات المحاسبة والائتمان الاستئماني، بعد مراجعة حكومية استمرت عامين خلصت إلى وجود تضارب وتكرار في الصلاحيات بين أكثر من 20 جهة رقابية، وثغرات في تبادل المعلومات مع الشرطة.
وفي القطاع القانوني تحديدًا، ستنتقل صلاحيات تسع جهات رقابية إلى هيئة السلوك المالي، أبرزها هيئة تنظيم المحامين (Solicitors Regulation Authority – SRA).
وتوضح جيولياني أن هيئة تنظيم المحامين اعتمدت تاريخيًا نهجًا تعاونيًا قائمًا على الإرشاد، في حين تمتلك هيئة السلوك المالي أدوات أكثر صرامة لمعاقبة المخالفات. فصلاحيات هيئة تنظيم المحامين محدودة بسقف غرامات يبلغ 25 ألف باوند، مع إمكان فرض غرامات أكبر فقط عبر الإحالة إلى محكمة مختصة.
وخلال السنة المنتهية في نيسان/أبريل الماضي، أصدرت هيئة تنظيم المحامين 86 غرامة بقيمة إجمالية بلغت 1.5 مليون باوند في قضايا تتعلق بغسيل الأموال، تراوحت بين 1,520 و300 ألف باوند. في المقابل، فرضت هيئة السلوك المالي ست غرامات فقط في العام نفسه، لكنها تراوحت بين 289 ألفًا و39.3 مليون باوند، بإجمالي بلغ 82 مليون باوند.
عوائق دخول أعلى للسوق
قد يترتب على انتقال الإشراف أيضًا تشديد شروط دخول شركات المحاماة إلى السوق البريطانية. وتشير بيانات جمعتها شركة HKA إلى أن هيئة السلوك المالي رفضت 44 في المئة من أصل 275 طلبًا تلقتها خلال السنة المالية 2023–2024، في حين وافقت هيئة تنظيم المحامين على جميع الطلبات الـ218 التي تلقتها في الفترة نفسها.
وتقول جيولياني: “تجلب هيئة السلوك المالي تدقيقًا أعمق، وصلاحيات أوسع، ومنظورًا قائمًا على البيانات. على شركات المحاماة أن تكون مستعدة”.
رسالة المنظّم: أولوية بلا هوادة
من جانبه، أكد ستيف سمارت، المدير التنفيذي للتنفيذ والرقابة على الأسواق في هيئة السلوك المالي، أن مكافحة الجرائم المالية تمثل أولوية أساسية للهيئة، مشيرًا إلى خبرتها السابقة في الإشراف على قضايا غسيل الأموال.
وأضاف: “سنطبّق نهجًا قائمًا على البيانات ومتناسبًا مع المخاطر، مع التركيز على العمل بالشراكة مع الشركات لتحديد أنشطة الجريمة المالية وتعطيلها”.
ماذا يعني ذلك للقطاع القانوني؟

تشير منصة العرب في بريطانيا (AUK) إلى أن نقل الإشراف على مكافحة غسيل الأموال إلى هيئة السلوك المالي يمثّل نقطة تحوّل حقيقية للقطاع القانوني في بريطانيا. فبين ضغوط السمعة الدولية، واستحقاق مراجعة مجموعة العمل المالي المقبلة، تقترب مرحلة التساهل التنظيمي من نهايتها، لتحلّ محلها منظومة أكثر صرامة وشفافية، تختبر جاهزية شركات المحاماة للتكيّف مع قواعد رقابية أشدّ وتعقيدات امتثال أعلى.
المصدر: الغارديان
اقرأ أيضاً
الرابط المختصر هنا ⬇
