لأنهم رفضوا الصمت .. أطباء من بريطانيا وأمريكا يُمنعون من دخول غزة
تتصاعد الشكاوى من أطباء وعاملين في المجال الإنساني في بريطانيا والولايات المتحدة بشأن منعهم من دخول قطاع غزة، في وقت يشهد فيه القطاع انهيارًا كبيرًا في منظومته الصحية نتيجة القصف والحصار المستمرين، ضمن سياق تصفه منظمات حقوقية دولية بأنه إبادة جماعية متواصلة بحق السكان المدنيين. وبينما تتحدث منظمات إنسانية عن قرارات تعسفية، تنفي سلطات الاحتلال الإسرائيلي وجود أي دوافع سياسية، مؤكدة أن الإجراءات تستند إلى اعتبارات مهنية وأمنية.
اتهامات بقرارات تعسفية ومنع غير مبرر
قال أطباء ومنظمات قدمت مساعدات إنسانية في غزة: إنهم واجهوا رفضًا متكررًا لطلبات الدخول دون توضيح الأسباب. ويعتقد عدد منهم أن مواقفهم العلنية وشهاداتهم المباشرة على ما رأوه في القطاع كانت وراء هذه القرارات.
وبموجب القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف، يتعين على إسرائيل السماح بمرور المساعدات الإنسانية بسرعة ودون عوائق، ويحظر عرقلة وصول الخدمات الطبية إلى السكان المدنيين في النزاعات المسلحة. إلا أن أطباء تحدثوا إلى صحيفة “الغارديان” البريطانية قالوا إنهم لم يتلقوا أي تفسير رسمي لمنعهم من الدخول، ما عزز شكوكهم بأن مواقفهم العلنية كان لها دور في القرار.
من بين هؤلاء جيمس سميث، وهو طبيب طوارئ بريطاني، مُنع مرتين متتاليتين في عام 2025 من دخول غزة، بعد أن زارها آخر مرة في حزيران/يونيو 2024. وقال سميث: إنه تحدث إلى وسائل إعلام بشأن تجربته هناك، مضيفًا أن لوائح التسجيل الإسرائيلية للمنظمات غير الحكومية والعاملين الأجانب تتضمن النظر في مواقف مثل الدعوة إلى مقاطعة دولة إسرائيل أو المشاركة فيها.
وأوضح سميث، الذي كان يسافر مع منظمة الإغاثة الطبية للفلسطينيين (Medical Aid for Palestinians – MAP)، أنه لا يرى سببًا آخر للمنع، مؤكدًا أنه لا يحمل أي خلفية فلسطينية ولا سجلًا جنائيًّا، وأن “التعبير عن آرائه السياسية هو ما أزعجهم”، على حد قوله.
ارتفاع معدلات الرفض واستمرار الحاجة الطبية

ورغم إعلان وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر، لا تزال آثار العنف والتوتر تتجسد في غزة؛ فالهدنة لم توقف جميع أشكال القصف والهجمات، بينما تبقى آثار الحصار على الصحة والمواد الغذائية واضحة في واقع الخدمات وندرة الإمدادات، في وقت تستمر فيه تداعيات العدوان على غزة في إضعاف قدرة المستشفيات القليلة العاملة على الاستجابة. وتواصل المنظمات الإنسانية انتقاداتها للقيود المفروضة على إدخال المساعدات وعمليات الإجلاء الطبي.
وفي آب/أغسطس، أعلنت منظمة الصحة العالمية (WHO) أن معدلات رفض دخول العاملين الصحيين الدوليين ارتفعت بنحو 50 في المئة، مشيرة إلى منع 102 شخص منذ الـ18 من آذار/مارس.
وقال خالد دواس، استشاري الجراحة المقيم في لندن: إن الأطباء الذين كانوا أكثر صراحة في تصريحاتهم هم من طالتهم قرارات المنع، مضيفًا: “لا أستطيع التفكير في سبب آخر. لست عسكريًّا ولا أحمل شيئًا مختلفًا عن زملائي الذين سُمح لهم بالدخول. الفارق الوحيد أنهم لم يتحدثوا بقدر ما تحدثت”.
دواس مُنع من دخول غزة في آب/أغسطس وتشرين الثاني/نوفمبر عبر منظمتين مختلفتين، بعد زيارته القطاع في عام 2024.
الهوية والمواقف العلنية تحت المجهر
ثائر أحمد، طبيب طوارئ من شيكاغو، مُنع من دخول غزة أربع مرات، آخرها في كانون الثاني/يناير. وهو فلسطيني أميركي مولود في الولايات المتحدة، ويرى أن هويته، إلى جانب مواقفه العلنية بعد زيارته لغزة في عام 2024، كانت من أسباب المنع، فيما أبلغته سلطات الاحتلال الإسرائيلي بأن القرار مرتبط باعتبارات أمنية.
وقال أحمد: إن “تسييس الوصول إلى المساعدات واتخاذها أداة ضغط بات جزءًا من القرارات المتخذة بشأن غزة”، داعيًا الحكومات المعنية إلى مساعدة الأطباء في الطعن بقرارات المنع.
منظمات بريطانية تحت الضغط

في كانون الأول/ديسمبر، أُبلغت 37 منظمة غير حكومية تنشط في غزة بضرورة وقف عملياتها، من بينها منظمة الإغاثة الطبية للفلسطينيين (MAP) ومقرها المملكة المتحدة. ومنذ ستة أشهر، لم تتمكن المنظمة من إدخال كوادر طبية أو مساعدات إلى القطاع، دون أن تتلقى تفسيرًا رسميًّا لقرارات الرفض.
وصف ستيف كَتس، المدير التنفيذي للمنظمة، منع الدخول بأنه “إجراء متعمد” من سلطات الاحتلال الإسرائيلي، محذرًا من تداعيات مباشرة على حياة المدنيين في غزة.
وأضاف أن إلغاء تسجيل منظمات دولية وفرض قيود على الكوادر الطبية يأتي ضمن “نمط أوسع من الإجراءات التي تعرقل المساعدات الإنسانية وتمنع وجود شهود طبيين مستقلين”، في وقت يتواصل فيه استهداف البنية التحتية الصحية.
وتشير المعلومات إلى أن المنظمات الإنسانية تشارك قوائم الأطباء المتطوعين مع منظمة الصحة العالمية قبل سفرهم إلى غزة. ومع ذلك، اكتشف بعضهم رفض دخولهم قبل أقل من 24 ساعة من موعد العبور بعد وصولهم إلى الأردن، فيما تلقى آخرون قرارات الرفض قبل أيام من مغادرتهم المملكة المتحدة.
رد رسمي من جيش الاحتلال
من جانبها وصفت وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق (Cogat) — وهي جهة عسكرية تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي ومسؤولة عن التحكم الكامل في دخول الأفراد والمساعدات إلى قطاع غزة المحاصر — هذه الادعاءات بأنها “كاذبة ولا أساس لها”.
وقالت: إن الاتهامات تصدر عن منظمات “ترفض العمل بشفافية والتعاون مع آلية التسجيل الإسرائيلية”، مؤكدة أن المعايير المعتمدة “مهنية وأمنية”، دون توضيح طبيعة هذه المعايير أو آلية الطعن فيها، في وقت تؤكد فيه منظمات طبية أن قرارات الرفض تصدر دون بيان الأسباب.
وفي المقابل، أكد متحدث باسم وزارة الخارجية البريطانية أن وزير الخارجية التقى في أواخر العام الماضي فرقًا طبية مُنعت من دخول غزة، داعيًا إسرائيل إلى رفع القيود والسماح بوصول الغذاء والإمدادات الطبية والوقود بما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني.
طعون قضائية وشهادات متكررة

عريضة قانونية قُدمت مؤخرًا إلى المحكمة العليا الإسرائيلية تشير إلى سبع حالات يُشتبه بأنها رفض غير قانوني لدخول أطباء، من بينهم غرايم غروم، جراح العظام من لندن وأحد مؤسسي جمعية Ideals الخيرية، الذي زار غزة أكثر من 40 مرة. ومنذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر، تمكن من الدخول أربع مرات، لكنه مُنع في ثلاث مناسبات دون تقديم أسباب.
وقال غروم: إن المنع قد يكون مرتبطًا بكونهم “يشهدون على ما يحدث في غزة”، معتبرًا أن حظر دخولهم امتداد لسياسة تمنع الصحفيين الدوليين من الوصول إلى القطاع، في وقت يُقتل فيه صحفيون فلسطينيون خلال تغطيتهم للأحداث.
أما فيكتوريا روز، جراحة التجميل المقيمة في لندن، والتي مُنعت من الدخول في أواخر عام 2025، فرأت أن المسألة قد لا تتعلق بتصريحاتها العلنية بشأن حجم الإصابات، بل بكون السلطات “لا تريد أشخاصًا يعرفون النظام ويستطيعون العمل بفعالية”.
بين الإغاثة والسيطرة على الشهادة

في وقت تتسع فيه رقعة الدمار ويستمر سقوط الشهداء المدنيين، يتجاوز منع الأطباء الدوليين من دخول غزة كونه إجراءً إداريًّا أو أمنيًّا ليصبح مسألة ذات أبعاد سياسية واضحة. فحرمان الكوادر الطبية المستقلة من الوصول لا ينعكس فقط على قدرة المستشفيات المنهكة على إنقاذ الأرواح، بل يحدّ أيضًا من وجود شهود مهنيين قادرين على توثيق ما يجري ميدانيًّا.
ومع استمرار القيود على دخول الصحفيين الدوليين، يطرح هذا النمط من المنع تساؤلات أوسع عن إدارة تدفق المعلومات من القطاع، وعما إذا كان التحكم في الوصول الإنساني بات أداة ضمن معادلة أوسع تتعلق بالسيطرة على السردية الدولية وفرض الصمت على ما يحدث في غزة.
المصدر: الغارديان
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇
