لماذا كان عام 2025 من الأصعب على الاقتصاد البريطاني؟
شكّل عام 2025 أحد أكثر الأعوام قسوة على الأسر والشركات في بريطانيا، بعدما تداخلت عوامل خارجية وداخلية لتضع الاقتصاد البريطاني تحت ضغط مستمر. فمن حرب تجارية أعادت رسم خريطة التبادل الدولي، إلى ارتفاع تكاليف التوظيف والمعيشة، وجد الاقتصاد نفسه محاصرًا برياح معاكسة، رغم الانفراج المحدود الذي وفرته تخفيضات أسعار الفائدة.
ضغوط الأجور والتأمينات: عبء مزدوج على الشركات

في إبريل، واجه أرباب العمل لحظة مفصلية مع إقرار وزيرة المالية رايتشل ريفز زيادات في مساهمات التأمينات الوطنية على الشركات، بالتوازي مع رفع كبير في الحد الأدنى للأجور.
وكانت التوقعات تشير منذ البداية إلى أن هذه الخطوة ستنعكس إما في تسريحات وظيفية وإما في ارتفاع الأسعار، وهو ما تحقق بالفعل مع مرور الأشهر، إذ عجزت شركات كثيرة عن امتصاص التكاليف الإضافية دون تمريرها إلى المستهلكين.
التضخم يعود للواجهة صيفًا

بلغت ضغوط المعيشة ذروتها خلال الصيف، عندما ارتفع معدل التضخم السنوي إلى 3.8 في المئة، مسجلًا أعلى مستوياته خلال العام.
وسجّلت أسعار الغذاء والمشروبات أداءً أسوأ، مع وصول معدل التضخم في هذا القطاع إلى 4.9 في المئة بحلول أكتوبر، بعد أن كان قد شهد تراجعًا في العام السابق.
ووجد تجار التجزئة أنفسهم محاصرين بين ارتفاع الأجور من جهة، وقفزات أسعار السلع الأساسية -مثل اللحوم والقهوة والشوكولاتة- من جهة أخرى، إضافة إلى أعباء جديدة مرتبطة برسوم التغليف.
صناعة الغذاء تحت الضغط
في هذا السياق، أوضحت كارن بيتس، الرئيسة التنفيذية لاتحاد الصناعات الغذائية والمشروبات، أن المصنعين يدفعون مقابل المكونات والطاقة أكثر مما كانوا يدفعون في عام 2020 بنحو 40 في المئة، فضلًا عن تكاليف تنظيمية جديدة مثل ضرائب التغليف وارتفاع مساهمات التأمينات.
وأضافت أن كثيرًا من الشركات لم يعد أمامها خيار سوى رفع الأسعار، في ظل ضيق هوامش الربح.
تخفيضات الفائدة… انفراجة محدودة
ورغم هذه الضغوط، سمح تباطؤ نمو الأجور لبنك إنجلترا بخفض سعر الفائدة الأساسي أربع مرات خلال عام 2025.
وبحلول ديسمبر، تراجعت كلفة الاقتراض من 4.75 في المئة إلى 3.75 في المئة، ما وفر متنفسًا لأكثر من مليون حامل لرهن عقاري.
لكن هذه التخفيضات عكست في الوقت نفسه ضعفًا بنيويًّا في الاقتصاد، لا سيما في سوق العمل.
سوق العمل يتأثر: بطالة عند أعلى مستوى منذ سنوات
ارتفع معدل البطالة إلى 5.1 في المئة خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في أكتوبر، مسجلًا أعلى مستوى له منذ أكثر من أربع سنوات ونصف، باستثناء فترة الوباء، التي تعد الأسوأ منذ قرابة عقد.
وجاء ذلك مع تحوّل المخاوف بشأن تكاليف التوظيف المرتفعة إلى خسائر فعلية في الوظائف.
الذكاء الاصطناعي يدخل المعادلة

ساهم الذكاء الاصطناعي بدوره في إعادة تشكيل قرارات التوظيف عالميًّا، إذ أعلنت شركة أمازون في أكتوبر تسريح نحو 14 ألف موظف إداري حول العالم، وربطت القرار مباشرة بأولويات الاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
الحرب التجارية الأميركية وتأثيرها على بريطانيا
زاد المشهد تعقيدًا مع عودة التصعيد التجاري الأميركي، إذ فرضت إدارة الرئيس دونالد ترامب في إبريل رسومًا جمركية شاملة بنسبة 10 في المئة على معظم الصادرات البريطانية إلى الولايات المتحدة، ما أدى إلى تراجع قياسي في الصادرات إلى أكبر اقتصاد في العالم.
وتحملت قطاعات التصنيع والسيارات العبء الأكبر، حيث حذّرت شركات مثل أستون مارتن من تأثيرات كبيرة على الأرباح.
نمو متذبذب وتوقعات محدودة
تباطأ النمو الاقتصادي بصفة ملحوظة في إبريل نتيجة الاضطرابات التجارية، ما دفع المؤسسات إلى خفض توقعاتها مرارًا.
ومع أن اتفاقات لاحقة مع واشنطن ساعدت على تهدئة الأوضاع، لم يُعدّل مكتب مسؤولية الميزانية توقعاته للنمو إلا في نوفمبر، رافعًا إياها إلى 1.5 في المئة بدلًا من 1 في المئة.
أما الربع الأخير من العام، فشهد شبه ركود بفعل الغموض المحيط بالسياسة الضريبية قُبيل موازنة الـ26 من نوفمبر، وسط توقعات بنك إنجلترا بثبات النشاط الاقتصادي حتى نهاية 2025.
موازنة بلا دفعة حقيقية
ومع أن الزيادة المتوقعة في ضريبة الدخل لم تُقر، فإن الموازنة لم تقدم حوافز ملموسة للنمو، ما خيّب آمال قطاع الأعمال.
وحذّر خبراء اقتصاديون من أن عام 2026 قد يشهد بدوره نموًّا بطيئًا، وبخاصة مع ضعف آفاق القطاع الخاص واستمرار الضغط على المستهلكين، لا سيما أولئك الذين يخرجون من عقود رهن عقاري منخفضة الفائدة.
اقتصاد بين الصدمات والتكيّف

تشير منصة العرب في بريطانيا (AUK) إلى أن صعوبة عام 2025 لا تعود إلى عامل واحد، بل إلى تراكب صدمات متزامنة: سياسات تجارية خارجية، وضغوط داخلية على سوق العمل، وتحوّلات تكنولوجية متسارعة. ومع أن تخفيضات الفائدة قد أفادت الاقتصاد قليلًا، فإنها لم تكن كافية لتعويض شعور عام بالهشاشة وعدم اليقين، ما يجعل التعافي في عام 2026 مرهونًا بقدرة الحكومة على استعادة ثقة المستهلكين والشركات، لا بمجرد إجراءات نقدية قصيرة الأجل.
المصدر: جي بي نيوز
اقرأ أيضاً
الرابط المختصر هنا ⬇
